عاجل:

مستقبل الأمن الإيراني في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي (JCPOA)

الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦
٠٣:٣٨ بتوقيت غرينتش
مستقبل الأمن الإيراني في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي (JCPOA) شكّلت خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، المعروفة شائعًا بالاتفاق النووي الإيراني، محطة مفصلية في المشهد الأمني المعاصر لإيران.

فقد أثار توقيعها عام 2015 توقعات بانخفاض التوترات بين إيران والمجتمع الدولي، وبإعادة اندماج اقتصادي تدريجي، وبالانتقال من منطق المواجهة إلى التنافس المُدار. غير أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018، وما تبعه من تآكل آلياته، أدخلا إيران في ما يُعرف اليوم بمرحلة ما بعد الاتفاق النووي.

وفي هذا السياق، بات مستقبل الأمن الإيراني أكثر تعقيدًا، ويتشكل بفعل مزيج من الصمود الداخلي، وعدم الاستقرار الإقليمي، وحالة عدم اليقين البنيوي في النظام الدولي.

في صميم الرؤية الأمنية الإيرانية في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي تبرز مسألة الاستقلال الاستراتيجي. فقد عزّز انهيار الاتفاق التصورات الراسخة داخل دوائر صنع القرار الإيراني بأن الضمانات الخارجية—ولا سيما تلك التي تقدمها القوى الغربية—غير موثوقة بطبيعتها. ونتيجة لذلك، اتجهت العقيدة الأمنية الإيرانية بدرجة أكبر نحو الاعتماد على الذات، والردع، والقدرات غير المتكافئة. ولا يعني هذا التحول رفضًا مطلقًا للدبلوماسية، بل إعادة ضبط للتوقعات بشأن ما يمكن أن تحققه الاتفاقات الدبلوماسية واقعيًا من ضمانات أمنية طويلة الأمد.

ويُعدّ الموقف النووي أحد أهم أبعاد مستقبل الأمن الإيراني. ففي غياب اتفاق نووي فاعل، وسّعت إيران تدريجيًا أنشطتها النووية، مقدّمةً إياها بوصفها قابلة للعكس ومتوافقة مع حقوقها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. ومن منظور أمني، تؤدي القضية النووية دورًا مزدوجًا بوصفها ورقة تفاوضية وإشارة ردع في آنٍ واحد. وبينما تواصل إيران نفي أي نية لتطوير أسلحة نووية، فإن الغموض الاستراتيجي المحيط بقدراتها أصبح عنصرًا مركزيًا في استراتيجية الردع، يهدف إلى ردع المواجهة العسكرية وزيادة النفوذ في أي مفاوضات مستقبلية محتملة.

وإلى جانب الملف النووي، ستظل القدرات العسكرية التقليدية وغير التقليدية لإيران محورًا أساسيًا في حساباتها الأمنية. فقد دفعت سنوات العقوبات وقيود التسليح إيران إلى الاستثمار المكثف في الصناعات الدفاعية المحلية، وتكنولوجيا الصواريخ، والقدرات السيبرانية، والطائرات المسيّرة. وفي بيئة ما بعد الاتفاق النووي، لا تُعدّ هذه القدرات مجرد أدوات حرب، بل وسائل للإشارة الاستراتيجية، تمكّن إيران من إسقاط القوة، وفرض كلفة على الخصوم، وتعويض الاختلالات التقليدية مقارنة بمنافسين متفوقين تكنولوجيًا.

إقليميًا، يرتبط مستقبل الأمن الإيراني ارتباطًا وثيقًا بالديناميات الأوسع في الشرق الأوسط. فقد تزامنت مرحلة ما بعد الاتفاق النووي مع استمرار النزاعات، وهشاشة الدول، وتبدّل التحالفات في أنحاء المنطقة. وغالبًا ما يصوّر خصوم إيران انخراطها في العراق وسوريا ولبنان واليمن على أنه توسّع، بينما يقدّمه المسؤولون الإيرانيون بوصفه عمقًا دفاعيًا يهدف إلى منع وصول التهديدات إلى حدود إيران. وفي الواقع، تؤدي هذه الانخراطات الإقليمية دورًا مزدوجًا: فهي تعزّز الردع والنفوذ الإيرانيين، لكنها في الوقت ذاته تعرّض إيران لمواجهات غير مباشرة، وأعباء اقتصادية، وردود فعل سياسية سلبية.

وستواصل العلاقات مع المنافسين الإقليميين، ولا سيما إسرائيل وبعض الدول الخليجية، لعب دور حاسم في تشكيل البيئة الأمنية لإيران. ففي ظل غياب إطار أمني إقليمي شامل، تهيمن تصورات التهديد المتبادل على التفاعلات. وقد أدت مخاوف إسرائيل المستمرة بشأن البرامج النووية والصاروخية الإيرانية، إلى جانب العمليات السرية والعلنية التي تستهدف المصالح الإيرانية، إلى تصاعد مخاطر الانزلاق نحو التصعيد. وبالمثل، ورغم أن الانفتاحات الدبلوماسية الأخيرة بين إيران وبعض الدول الخليجية تشير إلى رغبة في خفض التصعيد، فإن انعدام الثقة المتجذر لا يزال قائمًا. وستؤثر متانة هذه التقاربات بشكل كبير في المسار الأمني لإيران.

ومن العوامل الحاسمة الأخرى في مستقبل الأمن الإيراني بعد الاتفاق النووي تطوّر دور القوى الكبرى. ومع استمرار التوتر مع الولايات المتحدة، سعت إيران بصورة متزايدة إلى تعميق علاقاتها الاستراتيجية مع أطراف غير غربية مثل روسيا والصين. وتوفر هذه الشراكات دعمًا سياسيًا، وفرصًا اقتصادية، وتعاونًا أمنيًا محدودًا، بما يخفف بعض الضغوط الناجمة عن العقوبات الغربية. غير أن الاعتماد على هذه الشراكات يخلق أيضًا مواطن ضعف جديدة، إذ يتعيّن على إيران إدارة علاقات غير متكافئة لا تتطابق فيها المصالح دائمًا بصورة كاملة.

داخليًا، يُعدّ الاستقرار الداخلي ركيزةً غالبًا ما يُغفل عنها في الرؤية الأمنية الإيرانية. فالصعوبات الاقتصادية، الناتجة إلى حد كبير عن العقوبات والاختلالات البنيوية، تطرح تحديات طويلة الأمد أمام التماسك الاجتماعي والشرعية السياسية. وفي مرحلة ما بعد الاتفاق النووي، لم يعد الأمن يُعرّف فقط من خلال التهديدات العسكرية، بل أيضًا من خلال قدرة الدولة على إدارة الضغوط الداخلية دون اللجوء إلى الإكراه المفرط. وسيؤثر التفاعل بين الصمود الداخلي والسياسات الأمنية الخارجية تأثيرًا بالغًا في الخيارات الاستراتيجية لإيران مستقبلًا.

ومن المهم الإشارة إلى أن بيئة ما بعد الاتفاق النووي لا تستبعد إمكانية تجدد الدبلوماسية. بل إنها توحي بأن أي اتفاق مستقبلي سيكون على الأرجح أضيق نطاقًا، وأكثر تدريجية، وأكثر تركيزًا على الجوانب الأمنية مقارنة بالاتفاق الأصلي. وقد أكدت تجربة إيران الحاجة إلى مكاسب ملموسة وقابلة للتحقق، وضمانات موثوقة. ومن منظور أمني، من غير المرجح أن تقدّم إيران تنازلات كبيرة دون تأكيدات بأن قدراتها الردعية الأساسية ومصالحها الإقليمية لن تتعرض للتقويض.

وعند النظر إلى المستقبل، يمكن وصف مستقبل الأمن الإيراني في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي بأنه مستقبل يتسم بـ«إدارة عدم اليقين». فغياب اتفاق شامل يزيد من مخاطر سوء التقدير، لكنه في الوقت ذاته يحفّز على ضبط النفس، إذ تسعى جميع الأطراف إلى تجنب تصعيد لا يمكن السيطرة عليه. ويبدو أن استراتيجية إيران تهدف إلى الحفاظ على توازن دقيق: تعزيز الردع مع إبقاء قنوات الدبلوماسية مفتوحة، وتأكيد النفوذ الإقليمي مع تجنب صراع واسع النطاق، وبناء شراكات استراتيجية دون التفريط بالاستقلالية.

وخلاصة القول، إن مرحلة ما بعد الاتفاق النووي عززت، أكثر مما غيّرت، الرؤية الأمنية الأساسية لإيران. فقد أكدت تجربة الاتفاق وتفككه الافتراضات القديمة بشأن تقلب الالتزامات الدولية وأولوية الاعتماد على الذات في نظام دولي فوضوي. وبالتالي، سيعتمد أمن إيران المستقبلي بدرجة أقل على إحياء اتفاق واحد، وبدرجة أكبر على قدرتها على التكيّف مع نظام عالمي مجزأ، وإدارة التنافسات الإقليمية، ودمج الدبلوماسية ضمن استراتيجية أوسع للردع والصمود. وما إذا كان هذا النهج سيقود إلى قدر أكبر من الاستقرار أو إلى توترات مطوّلة، فسيتوقف في نهاية المطاف ليس على خيارات إيران وحدها، بل أيضًا على استعداد الأطراف الأخرى للانتقال من حسابات صفرية إلى هندسة أمنية إقليمية أكثر شمولًا واستدامة.

شكّل خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، المعروفة شائعًا بالاتفاق النووي الإيراني، محطة مفصلية في المشهد الأمني المعاصر لإيران. فقد أثار توقيعها عام 2015 توقعات بانخفاض التوترات بين إيران والمجتمع الدولي، وبإعادة اندماج اقتصادي تدريجي، وبالانتقال من منطق المواجهة إلى التنافس المُدار. غير أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018، وما تبعه من تآكل آلياته، أدخلا إيران في ما يُعرف اليوم بمرحلة ما بعد الاتفاق النووي. وفي هذا السياق، بات مستقبل الأمن الإيراني أكثر تعقيدًا، ويتشكل بفعل مزيج من الصمود الداخلي، وعدم الاستقرار الإقليمي، وحالة عدم اليقين البنيوي في النظام الدولي.

في صميم الرؤية الأمنية الإيرانية في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي تبرز مسألة الاستقلال الاستراتيجي. فقد عزّز انهيار الاتفاق التصورات الراسخة داخل دوائر صنع القرار الإيراني بأن الضمانات الخارجية—ولا سيما تلك التي تقدمها القوى الغربية—غير موثوقة بطبيعتها. ونتيجة لذلك، اتجهت العقيدة الأمنية الإيرانية بدرجة أكبر نحو الاعتماد على الذات، والردع، والقدرات غير المتكافئة. ولا يعني هذا التحول رفضًا مطلقًا للدبلوماسية، بل إعادة ضبط للتوقعات بشأن ما يمكن أن تحققه الاتفاقات الدبلوماسية واقعيًا من ضمانات أمنية طويلة الأمد.

ويُعدّ الموقف النووي أحد أهم أبعاد مستقبل الأمن الإيراني. ففي غياب اتفاق نووي فاعل، وسّعت إيران تدريجيًا أنشطتها النووية، مقدّمةً إياها بوصفها قابلة للعكس ومتوافقة مع حقوقها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. ومن منظور أمني، تؤدي القضية النووية دورًا مزدوجًا بوصفها ورقة تفاوضية وإشارة ردع في آنٍ واحد. وبينما تواصل إيران نفي أي نية لتطوير أسلحة نووية، فإن الغموض الاستراتيجي المحيط بقدراتها أصبح عنصرًا مركزيًا في استراتيجية الردع، يهدف إلى ردع المواجهة العسكرية وزيادة النفوذ في أي مفاوضات مستقبلية محتملة.

وإلى جانب الملف النووي، ستظل القدرات العسكرية التقليدية وغير التقليدية لإيران محورًا أساسيًا في حساباتها الأمنية. فقد دفعت سنوات العقوبات وقيود التسليح إيران إلى الاستثمار المكثف في الصناعات الدفاعية المحلية، وتكنولوجيا الصواريخ، والقدرات السيبرانية، والطائرات المسيّرة. وفي بيئة ما بعد الاتفاق النووي، لا تُعدّ هذه القدرات مجرد أدوات حرب، بل وسائل للإشارة الاستراتيجية، تمكّن إيران من إسقاط القوة، وفرض كلفة على الخصوم، وتعويض الاختلالات التقليدية مقارنة بمنافسين متفوقين تكنولوجيًا.

إقليميًا، يرتبط مستقبل الأمن الإيراني ارتباطًا وثيقًا بالديناميات الأوسع في الشرق الأوسط. فقد تزامنت مرحلة ما بعد الاتفاق النووي مع استمرار النزاعات، وهشاشة الدول، وتبدّل التحالفات في أنحاء المنطقة. وغالبًا ما يصوّر خصوم إيران انخراطها في العراق وسوريا ولبنان واليمن على أنه توسّع، بينما يقدّمه المسؤولون الإيرانيون بوصفه عمقًا دفاعيًا يهدف إلى منع وصول التهديدات إلى حدود إيران. وفي الواقع، تؤدي هذه الانخراطات الإقليمية دورًا مزدوجًا: فهي تعزّز الردع والنفوذ الإيرانيين، لكنها في الوقت ذاته تعرّض إيران لمواجهات غير مباشرة، وأعباء اقتصادية، وردود فعل سياسية سلبية.

وستواصل العلاقات مع المنافسين الإقليميين، ولا سيما إسرائيل وبعض الدول الخليجية، لعب دور حاسم في تشكيل البيئة الأمنية لإيران. ففي ظل غياب إطار أمني إقليمي شامل، تهيمن تصورات التهديد المتبادل على التفاعلات. وقد أدت مخاوف إسرائيل المستمرة بشأن البرامج النووية والصاروخية الإيرانية، إلى جانب العمليات السرية والعلنية التي تستهدف المصالح الإيرانية، إلى تصاعد مخاطر الانزلاق نحو التصعيد. وبالمثل، ورغم أن الانفتاحات الدبلوماسية الأخيرة بين إيران وبعض الدول الخليجية

تشير إلى رغبة في خفض التصعيد، فإن انعدام الثقة المتجذر لا يزال قائمًا. وستؤثر متانة هذه التقاربات بشكل كبير في المسار الأمني لإيران.

ومن العوامل الحاسمة الأخرى في مستقبل الأمن الإيراني بعد الاتفاق النووي تطوّر دور القوى الكبرى. ومع استمرار التوتر مع الولايات المتحدة، سعت إيران بصورة متزايدة إلى تعميق علاقاتها الاستراتيجية مع أطراف غير غربية مثل روسيا والصين. وتوفر هذه الشراكات دعمًا سياسيًا، وفرصًا اقتصادية، وتعاونًا أمنيًا محدودًا، بما يخفف بعض الضغوط الناجمة عن العقوبات الغربية. غير أن الاعتماد على هذه الشراكات يخلق أيضًا مواطن ضعف جديدة، إذ يتعيّن على إيران إدارة علاقات غير متكافئة لا تتطابق فيها المصالح دائمًا بصورة كاملة.

بقلم سجاد عابدي الخبير في الشؤون الأمنية - لموقع العالم

0% ...

مستقبل الأمن الإيراني في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي (JCPOA)

الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦
٠٣:٣٨ بتوقيت غرينتش
مستقبل الأمن الإيراني في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي (JCPOA) شكّلت خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، المعروفة شائعًا بالاتفاق النووي الإيراني، محطة مفصلية في المشهد الأمني المعاصر لإيران.

فقد أثار توقيعها عام 2015 توقعات بانخفاض التوترات بين إيران والمجتمع الدولي، وبإعادة اندماج اقتصادي تدريجي، وبالانتقال من منطق المواجهة إلى التنافس المُدار. غير أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018، وما تبعه من تآكل آلياته، أدخلا إيران في ما يُعرف اليوم بمرحلة ما بعد الاتفاق النووي.

وفي هذا السياق، بات مستقبل الأمن الإيراني أكثر تعقيدًا، ويتشكل بفعل مزيج من الصمود الداخلي، وعدم الاستقرار الإقليمي، وحالة عدم اليقين البنيوي في النظام الدولي.

في صميم الرؤية الأمنية الإيرانية في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي تبرز مسألة الاستقلال الاستراتيجي. فقد عزّز انهيار الاتفاق التصورات الراسخة داخل دوائر صنع القرار الإيراني بأن الضمانات الخارجية—ولا سيما تلك التي تقدمها القوى الغربية—غير موثوقة بطبيعتها. ونتيجة لذلك، اتجهت العقيدة الأمنية الإيرانية بدرجة أكبر نحو الاعتماد على الذات، والردع، والقدرات غير المتكافئة. ولا يعني هذا التحول رفضًا مطلقًا للدبلوماسية، بل إعادة ضبط للتوقعات بشأن ما يمكن أن تحققه الاتفاقات الدبلوماسية واقعيًا من ضمانات أمنية طويلة الأمد.

ويُعدّ الموقف النووي أحد أهم أبعاد مستقبل الأمن الإيراني. ففي غياب اتفاق نووي فاعل، وسّعت إيران تدريجيًا أنشطتها النووية، مقدّمةً إياها بوصفها قابلة للعكس ومتوافقة مع حقوقها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. ومن منظور أمني، تؤدي القضية النووية دورًا مزدوجًا بوصفها ورقة تفاوضية وإشارة ردع في آنٍ واحد. وبينما تواصل إيران نفي أي نية لتطوير أسلحة نووية، فإن الغموض الاستراتيجي المحيط بقدراتها أصبح عنصرًا مركزيًا في استراتيجية الردع، يهدف إلى ردع المواجهة العسكرية وزيادة النفوذ في أي مفاوضات مستقبلية محتملة.

وإلى جانب الملف النووي، ستظل القدرات العسكرية التقليدية وغير التقليدية لإيران محورًا أساسيًا في حساباتها الأمنية. فقد دفعت سنوات العقوبات وقيود التسليح إيران إلى الاستثمار المكثف في الصناعات الدفاعية المحلية، وتكنولوجيا الصواريخ، والقدرات السيبرانية، والطائرات المسيّرة. وفي بيئة ما بعد الاتفاق النووي، لا تُعدّ هذه القدرات مجرد أدوات حرب، بل وسائل للإشارة الاستراتيجية، تمكّن إيران من إسقاط القوة، وفرض كلفة على الخصوم، وتعويض الاختلالات التقليدية مقارنة بمنافسين متفوقين تكنولوجيًا.

إقليميًا، يرتبط مستقبل الأمن الإيراني ارتباطًا وثيقًا بالديناميات الأوسع في الشرق الأوسط. فقد تزامنت مرحلة ما بعد الاتفاق النووي مع استمرار النزاعات، وهشاشة الدول، وتبدّل التحالفات في أنحاء المنطقة. وغالبًا ما يصوّر خصوم إيران انخراطها في العراق وسوريا ولبنان واليمن على أنه توسّع، بينما يقدّمه المسؤولون الإيرانيون بوصفه عمقًا دفاعيًا يهدف إلى منع وصول التهديدات إلى حدود إيران. وفي الواقع، تؤدي هذه الانخراطات الإقليمية دورًا مزدوجًا: فهي تعزّز الردع والنفوذ الإيرانيين، لكنها في الوقت ذاته تعرّض إيران لمواجهات غير مباشرة، وأعباء اقتصادية، وردود فعل سياسية سلبية.

وستواصل العلاقات مع المنافسين الإقليميين، ولا سيما إسرائيل وبعض الدول الخليجية، لعب دور حاسم في تشكيل البيئة الأمنية لإيران. ففي ظل غياب إطار أمني إقليمي شامل، تهيمن تصورات التهديد المتبادل على التفاعلات. وقد أدت مخاوف إسرائيل المستمرة بشأن البرامج النووية والصاروخية الإيرانية، إلى جانب العمليات السرية والعلنية التي تستهدف المصالح الإيرانية، إلى تصاعد مخاطر الانزلاق نحو التصعيد. وبالمثل، ورغم أن الانفتاحات الدبلوماسية الأخيرة بين إيران وبعض الدول الخليجية تشير إلى رغبة في خفض التصعيد، فإن انعدام الثقة المتجذر لا يزال قائمًا. وستؤثر متانة هذه التقاربات بشكل كبير في المسار الأمني لإيران.

ومن العوامل الحاسمة الأخرى في مستقبل الأمن الإيراني بعد الاتفاق النووي تطوّر دور القوى الكبرى. ومع استمرار التوتر مع الولايات المتحدة، سعت إيران بصورة متزايدة إلى تعميق علاقاتها الاستراتيجية مع أطراف غير غربية مثل روسيا والصين. وتوفر هذه الشراكات دعمًا سياسيًا، وفرصًا اقتصادية، وتعاونًا أمنيًا محدودًا، بما يخفف بعض الضغوط الناجمة عن العقوبات الغربية. غير أن الاعتماد على هذه الشراكات يخلق أيضًا مواطن ضعف جديدة، إذ يتعيّن على إيران إدارة علاقات غير متكافئة لا تتطابق فيها المصالح دائمًا بصورة كاملة.

داخليًا، يُعدّ الاستقرار الداخلي ركيزةً غالبًا ما يُغفل عنها في الرؤية الأمنية الإيرانية. فالصعوبات الاقتصادية، الناتجة إلى حد كبير عن العقوبات والاختلالات البنيوية، تطرح تحديات طويلة الأمد أمام التماسك الاجتماعي والشرعية السياسية. وفي مرحلة ما بعد الاتفاق النووي، لم يعد الأمن يُعرّف فقط من خلال التهديدات العسكرية، بل أيضًا من خلال قدرة الدولة على إدارة الضغوط الداخلية دون اللجوء إلى الإكراه المفرط. وسيؤثر التفاعل بين الصمود الداخلي والسياسات الأمنية الخارجية تأثيرًا بالغًا في الخيارات الاستراتيجية لإيران مستقبلًا.

ومن المهم الإشارة إلى أن بيئة ما بعد الاتفاق النووي لا تستبعد إمكانية تجدد الدبلوماسية. بل إنها توحي بأن أي اتفاق مستقبلي سيكون على الأرجح أضيق نطاقًا، وأكثر تدريجية، وأكثر تركيزًا على الجوانب الأمنية مقارنة بالاتفاق الأصلي. وقد أكدت تجربة إيران الحاجة إلى مكاسب ملموسة وقابلة للتحقق، وضمانات موثوقة. ومن منظور أمني، من غير المرجح أن تقدّم إيران تنازلات كبيرة دون تأكيدات بأن قدراتها الردعية الأساسية ومصالحها الإقليمية لن تتعرض للتقويض.

وعند النظر إلى المستقبل، يمكن وصف مستقبل الأمن الإيراني في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي بأنه مستقبل يتسم بـ«إدارة عدم اليقين». فغياب اتفاق شامل يزيد من مخاطر سوء التقدير، لكنه في الوقت ذاته يحفّز على ضبط النفس، إذ تسعى جميع الأطراف إلى تجنب تصعيد لا يمكن السيطرة عليه. ويبدو أن استراتيجية إيران تهدف إلى الحفاظ على توازن دقيق: تعزيز الردع مع إبقاء قنوات الدبلوماسية مفتوحة، وتأكيد النفوذ الإقليمي مع تجنب صراع واسع النطاق، وبناء شراكات استراتيجية دون التفريط بالاستقلالية.

وخلاصة القول، إن مرحلة ما بعد الاتفاق النووي عززت، أكثر مما غيّرت، الرؤية الأمنية الأساسية لإيران. فقد أكدت تجربة الاتفاق وتفككه الافتراضات القديمة بشأن تقلب الالتزامات الدولية وأولوية الاعتماد على الذات في نظام دولي فوضوي. وبالتالي، سيعتمد أمن إيران المستقبلي بدرجة أقل على إحياء اتفاق واحد، وبدرجة أكبر على قدرتها على التكيّف مع نظام عالمي مجزأ، وإدارة التنافسات الإقليمية، ودمج الدبلوماسية ضمن استراتيجية أوسع للردع والصمود. وما إذا كان هذا النهج سيقود إلى قدر أكبر من الاستقرار أو إلى توترات مطوّلة، فسيتوقف في نهاية المطاف ليس على خيارات إيران وحدها، بل أيضًا على استعداد الأطراف الأخرى للانتقال من حسابات صفرية إلى هندسة أمنية إقليمية أكثر شمولًا واستدامة.

شكّل خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، المعروفة شائعًا بالاتفاق النووي الإيراني، محطة مفصلية في المشهد الأمني المعاصر لإيران. فقد أثار توقيعها عام 2015 توقعات بانخفاض التوترات بين إيران والمجتمع الدولي، وبإعادة اندماج اقتصادي تدريجي، وبالانتقال من منطق المواجهة إلى التنافس المُدار. غير أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018، وما تبعه من تآكل آلياته، أدخلا إيران في ما يُعرف اليوم بمرحلة ما بعد الاتفاق النووي. وفي هذا السياق، بات مستقبل الأمن الإيراني أكثر تعقيدًا، ويتشكل بفعل مزيج من الصمود الداخلي، وعدم الاستقرار الإقليمي، وحالة عدم اليقين البنيوي في النظام الدولي.

في صميم الرؤية الأمنية الإيرانية في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي تبرز مسألة الاستقلال الاستراتيجي. فقد عزّز انهيار الاتفاق التصورات الراسخة داخل دوائر صنع القرار الإيراني بأن الضمانات الخارجية—ولا سيما تلك التي تقدمها القوى الغربية—غير موثوقة بطبيعتها. ونتيجة لذلك، اتجهت العقيدة الأمنية الإيرانية بدرجة أكبر نحو الاعتماد على الذات، والردع، والقدرات غير المتكافئة. ولا يعني هذا التحول رفضًا مطلقًا للدبلوماسية، بل إعادة ضبط للتوقعات بشأن ما يمكن أن تحققه الاتفاقات الدبلوماسية واقعيًا من ضمانات أمنية طويلة الأمد.

ويُعدّ الموقف النووي أحد أهم أبعاد مستقبل الأمن الإيراني. ففي غياب اتفاق نووي فاعل، وسّعت إيران تدريجيًا أنشطتها النووية، مقدّمةً إياها بوصفها قابلة للعكس ومتوافقة مع حقوقها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. ومن منظور أمني، تؤدي القضية النووية دورًا مزدوجًا بوصفها ورقة تفاوضية وإشارة ردع في آنٍ واحد. وبينما تواصل إيران نفي أي نية لتطوير أسلحة نووية، فإن الغموض الاستراتيجي المحيط بقدراتها أصبح عنصرًا مركزيًا في استراتيجية الردع، يهدف إلى ردع المواجهة العسكرية وزيادة النفوذ في أي مفاوضات مستقبلية محتملة.

وإلى جانب الملف النووي، ستظل القدرات العسكرية التقليدية وغير التقليدية لإيران محورًا أساسيًا في حساباتها الأمنية. فقد دفعت سنوات العقوبات وقيود التسليح إيران إلى الاستثمار المكثف في الصناعات الدفاعية المحلية، وتكنولوجيا الصواريخ، والقدرات السيبرانية، والطائرات المسيّرة. وفي بيئة ما بعد الاتفاق النووي، لا تُعدّ هذه القدرات مجرد أدوات حرب، بل وسائل للإشارة الاستراتيجية، تمكّن إيران من إسقاط القوة، وفرض كلفة على الخصوم، وتعويض الاختلالات التقليدية مقارنة بمنافسين متفوقين تكنولوجيًا.

إقليميًا، يرتبط مستقبل الأمن الإيراني ارتباطًا وثيقًا بالديناميات الأوسع في الشرق الأوسط. فقد تزامنت مرحلة ما بعد الاتفاق النووي مع استمرار النزاعات، وهشاشة الدول، وتبدّل التحالفات في أنحاء المنطقة. وغالبًا ما يصوّر خصوم إيران انخراطها في العراق وسوريا ولبنان واليمن على أنه توسّع، بينما يقدّمه المسؤولون الإيرانيون بوصفه عمقًا دفاعيًا يهدف إلى منع وصول التهديدات إلى حدود إيران. وفي الواقع، تؤدي هذه الانخراطات الإقليمية دورًا مزدوجًا: فهي تعزّز الردع والنفوذ الإيرانيين، لكنها في الوقت ذاته تعرّض إيران لمواجهات غير مباشرة، وأعباء اقتصادية، وردود فعل سياسية سلبية.

وستواصل العلاقات مع المنافسين الإقليميين، ولا سيما إسرائيل وبعض الدول الخليجية، لعب دور حاسم في تشكيل البيئة الأمنية لإيران. ففي ظل غياب إطار أمني إقليمي شامل، تهيمن تصورات التهديد المتبادل على التفاعلات. وقد أدت مخاوف إسرائيل المستمرة بشأن البرامج النووية والصاروخية الإيرانية، إلى جانب العمليات السرية والعلنية التي تستهدف المصالح الإيرانية، إلى تصاعد مخاطر الانزلاق نحو التصعيد. وبالمثل، ورغم أن الانفتاحات الدبلوماسية الأخيرة بين إيران وبعض الدول الخليجية

تشير إلى رغبة في خفض التصعيد، فإن انعدام الثقة المتجذر لا يزال قائمًا. وستؤثر متانة هذه التقاربات بشكل كبير في المسار الأمني لإيران.

ومن العوامل الحاسمة الأخرى في مستقبل الأمن الإيراني بعد الاتفاق النووي تطوّر دور القوى الكبرى. ومع استمرار التوتر مع الولايات المتحدة، سعت إيران بصورة متزايدة إلى تعميق علاقاتها الاستراتيجية مع أطراف غير غربية مثل روسيا والصين. وتوفر هذه الشراكات دعمًا سياسيًا، وفرصًا اقتصادية، وتعاونًا أمنيًا محدودًا، بما يخفف بعض الضغوط الناجمة عن العقوبات الغربية. غير أن الاعتماد على هذه الشراكات يخلق أيضًا مواطن ضعف جديدة، إذ يتعيّن على إيران إدارة علاقات غير متكافئة لا تتطابق فيها المصالح دائمًا بصورة كاملة.

بقلم سجاد عابدي الخبير في الشؤون الأمنية - لموقع العالم

0% ...

آخرالاخبار

القوات المسلحة اليمنية: رداً على العدوان السعودي نفذنا عمليتين عسكريتين نوعيتين الأولى استهدفت هدفاً حساساً في الرياض


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة بلعا شمال مدينة طولكرم


حماس: إنكار المجرم نتنياهو للإبادة الممنهجة التي ارتكبها في القطاع تكذّبه التقارير الأممية


عمدة نيويورك: نتنياهو استغل خطابه بالأمم المتحدة لتكرار أكاذيب تهدف لتبييض إبادة الفلسطينيين التي ارتكبها


رويترز: مجلس الشيوخ الأميركي يرفض بأغلبية 50 صوتا مقابل 49 مشروع قانون يقيد صلاحيات ترامب بشأن إيران


العميد سريع: العملية الثانية استهدفت شركة أرامكو في ينبع بعدد من الصواريخ الباليستية والمسيرات وحققت العمليتان أهدافهما بنجاح


القوات المسلحة اليمنية: نفذنا عمليتين عسكريتين نوعيتين الأولى استهدفت هدفا حساسا في العاصمة السعودية الرياض


إستخبارات الحرس: إيران قيدت حرية الحركة الأميركية وغيرت معادلات الميدان


مجلس الشيوخ الامريكي يفشل في تمرير "قانون صلاحيات الحرب" الذي يطالب بإنهاء الحرب الأميركية على إيران


قاليباف لوزير الخزانة الأميركي: مبارك لكم تسجيل عائدات السندات مستويات قياسية


الأكثر مشاهدة

الخطوط الجوية الفرنسية: تعليق الرحلات من الرياض وإليها حتى 28 سبتمبر


الخارجية الإيرانية: عراقجي التقى نظيره الكوري الجنوبي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك


عراقجي ونظيره الكوري الجنوبي تبادلا وجهات النظر بشأن العلاقات الثنائية وسبل تعزيز العلاقات والتعاون


الحشود في ساحات طهران هتفت دعما للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان شاكرةً إياه على كلمته في الأمم المتحدة


رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية اللواء علي عبداللهي: الشعب الإيراني بيد الرئيس بزشكيان صفع رئيس أمريكا المجرم أمام أنظار العالم


اللواء عبداللهي: القوات المسلحة الإيرانية بصوت واحد متّحدة في موقفها مع الشعب ورئيس الجمهورية


مصادر اعلامية: غارة جوية سعودية على مديرية مقبنة في محافظة تعز جنوب غرب اليمن


متحدث الحرس الثوري: رئيس الجمهورية اعاد انتاج رسالة اقتدار الشعب الإيراني في قلب نظام الاستكبار


مصادر فلسطينية: إطلاق نار مكثف من دبابات الاحتلال شمال شرقي مخيم البريج وسط قطاع غزة


سي إن إن: 8 بحّارة من مجموعة حاملة الطائرات الأمريكية المشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران حاولوا الانتحار


مصدر عسكري يمني: استهداف تحشيدات ومخازن أسلحة للعدو السعودي بمعسكرات الطوال وسقوط العشرات من القتلى والجرحى