عاجل:

الشهيد 'خرازي' وشخصيته المتعددة الأبعاد

الجمعة ١٠ أبريل ٢٠٢٦
١٢:٤٣ بتوقيت غرينتش
الشهيد 'خرازي' وشخصيته المتعددة الأبعاد في الذاكرة السياسية الإيرانية، يرتبط اسم كمال خرازي وثيقًا بالدبلوماسية والسياسة الخارجية؛ لكن سجله يكشف عن شخصيةٍ متعددة الأبعاد، أدت دورًا جوهريًا ومستمرًا في مجالات السياسة والعلوم والتكنولوجيا.

شغل خرازي مناصب قيادية رفيعة في الدولة، حيث كان أول رئيس تنفيذي لوكالة أنباء الجمهورية الإسلامية (إرنا) بتكليف من الإمام الخميني الراحل (رحمه الله)، كما ترأس مجلس الإعلام الحربي طوال فترة الدفاع المقدس التي استمرت ثماني سنوات، وتولى لاحقًا مسؤولية وزارة الخارجية، فكان في طليعة صُنّاع السياسة الخارجية الإيرانية لثماني سنوات أخرى، ثم أدى دورًا محوريًا بصفته رئيسًا للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية بتكليف من القائد الشهيد، ليصبح أحد أبرز واضعي ومحللي السياسة الخارجية في البلاد.

لقد أثبت حضوره في الساحة الدولية، لا سيما خلال توليه منصب سفير إيران ومندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، براعته في استيعاب المعادلات العالمية المعقدة ومهارته في إدارة التفاعلات الدبلوماسية رفيعة المستوى.

كان خرازي ينتمي إلى جيل من السياسيين الذين أدركوا أن الدبلوماسية تتجاوز البروتوكولات الاحتفالية لتصل إلى أبعادها الاستراتيجية، حيث كان يعي جيداً أن القوة في العالم المعاصر لا تقتصر على القدرات العسكرية، بل تشمل 'القدرة على صياغة الروايات' و'قوة الإقناع' كعناصر جوهرية في ميزان القوى. وعليه، سعى طوال سنوات عمله إلى ترسيخ صورة الجمهورية الإسلامية الإيرانية كطرف دولي مستقل وعقلاني يرتكز على منطق سياسي رصين.

في ظل أزمات إقليمية وعالمية حادة، سعى خرازي، مستندًا إلى فهمه العميق للمعادلات الدولية، إلى الموازنة بين المبادئ والواقع، مبتعدًا عن التبسيط المفرط أو الاستسلام للسلبية؛ وهي سمة جعلته أحد أبرز الدبلوماسيين الإيرانيين المعاصرين.

ومن ميزاته الأخرى الجمع بين الصمت الهادف والكلمة المدروسة؛ إذ لم يكن من السياسيين الذين ينجرفون وراء كل موجة إخبارية، بل كان لا يتحدث إلا عندما تحمل كلماته رسالة استراتيجية، مما أكسبه مصداقية رفيعة في الأوساط السياسية والدبلوماسية.

أما على الصعيد الداخلي، فقد أكّد حضوره في مؤسسات محورية، كالمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية ومجلس تشخيص مصلحة النظام بتكليفٍ من الإمام الراحل، استمرارية دوره في الحوكمة وصناعة السياسات الكلية، حيث تتجلى أهمية الخبرة والعقلانية والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.

لا ينبغي النظر إلى رحيل السيد كمال بوصفه خسارة لشخص فحسب، بل لفقدان "رأس مال فكري واستراتيجي" تطلّب بناؤه سنوات من التجربة والدراسة والتعمق في سياق التحولات العالمية المعقدة.

وفي هذا السياق، يبرز خرازي عن أقرانه باهتمامه العميق والمستقبلي بمجال العلوم المعرفية، الذي بات اليوم ركيزة أساسية للقوة الناعمة والحوكمة الحديثة، إذ كان من روّاد توطين هذا العلم في إيران، ولعب دورًا جوهريًا في تأسيس بنيته وتوسيع نطاقه.

يزخر سجله العلمي والإداري بتأسيس ودعم مؤسسات رائدة، مثل معهد بحوث العلوم المعرفية، ومعهد التعليم العالي في العلوم المعرفية، ومعهد دراسات العلوم المعرفية. وبصفته السكرتير الأول لمقر تطوير العلوم والتقنيات المعرفية، عمل على نقل هذا التخصص من الإطار الأكاديمي النظري إلى أولوية وطنية ضمن سياسات الدولة.

وإلى جانب دوره الإداري، برز خرازي كقامة أكاديمية؛ فهو أستاذ متفرغ في جامعة طهران تخصص في الإدارة والتخطيط التربوي، حيث أكد دوماً على العلاقة الوثيقة بين المعرفة والحوكمة، إيمانًا منه بأن السياسات لا تؤتي ثمارها دون استيعاب دقيق لآليات العقل البشري وسلوكياته.

يُشكّل الجمع بين هذه الإنجازات ملمحاً مختلفاً لشخصيته؛ فهو سياسيٌّ لم يكتفِ بمهام الإدارة اليومية، بل سعى إلى تأسيس بنىً فكرية وعلمية تُعزز مستقبل البلاد.

فمن الحراك الدبلوماسي على الصعيد الدولي إلى تطوير العلوم المعرفية محلياً، سعى خرازي إلى الربط بين "القوة الصلبة" و"القوة الناعمة". وبشكلٍ عام، فيما تُعدّ إنجازاته نموذجاً يُحتذى به في المزاوجة بين الخبرة التنفيذية والعمق العلمي والرؤية الاستراتيجية؛ وهو نهجٌ نحن في أمسّ الحاجة إليه لمواجهة تعقيدات عالمنا المعاصر.

لقد أجمع كل من رافق الشهيد خرازي وعمل معه، بمن فيهم كوادر وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية (إرنا) ومقر الإعلام الحربي، على أنه كان شخصيةً هادئةً وذا أخلاقٍ رفيعة، يتمتع بعمقٍ علمي وثقافي فريد، كما أدى بفضل فهمه الدقيق لمعادلات القوة دوراً محورياً في اللحظات الحاسمة.

أدعو الله أن يرفع درجات الشهيد وزوجته الشهيدة 'منصورة رئيس قاسم' -المعلمة المتقاعدة والناشطة الاجتماعية والثقافية التي ناضلت إبان الثورة الإسلامية- وأن يجمعهما في أعلى المراتب بصحبة الأولياء.

بقلم: غلام حسين إسلامي فرد

0% ...

آخرالاخبار

عراقجي: بالمقارنة مع الجرائم التي ارتُكبت، حيث قُتل 168 طفلاً بريئاً عمداً في لحظة، فإن هذه الدول لا تُصدر حتى إدانةً بسيطة


الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قبيل توجهه إلى نيويورك: سنستعرض في الأمم المتحدة الجرائم التي تعرض لها الشعب الإيراني


بعد وصوله نيويورك.. عراقجي يتباحث هاتفيا مع الأمين العام للأمم المتحدة


حرس الثورة الاسلامية: تقنيات الغواصة المسيرة الأمريكية ستخضع للهندسة العكسية


الرئيس الإيراني قبل مغادرته إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة: الجمعية العامة للأمم المتحدة فرصة لإيصال رسالة الشعب الإيراني إلى العالم


عراقجي: تعتبر بعض الدول نفسها ودولها التابعة في مأمن من المساءلة؛ ولذلك، نشهد اليوم أن أيدي نظام إجرامي كالكيان الصهيوني مفتوحة تمامًا لفعل ما يحلو له


عراقجي: وللأسف، تلتزم الدول الغربية والأوروبية، التي تُعتبر نفسها حامية حقوق الإنسان والحقوق الإنسانية، الصمت إزاء هذا الوضع


عراقجي:لم نشهد أي إدانة جادة من هذه الدول حول فلسطين وغزة ولبنان وإيران، للجرائم التي ارتُكبت


مصادر اعلامية: أربعة شبكات بث أميركية كبرى ( سي بي إس، وايه بي سي، وإن بي سي، وفوكس) تقرر وقف تغطية أنشطة ترمب تضامنا مع "CNN" و"MSNOW" و"بوليتيكو"


بزشكيان: إيران وباكستان قادرتان على تلبية احتياجاتهما بالاعتماد على القدرات الإقليمية