عاجل:

الجمهورية التكنولوجية: كيف يبني ترامب وبالانتير بديلاً فاشياً للليبرالية؟

الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٦
٠٧:١٤ بتوقيت غرينتش
الجمهورية التكنولوجية: كيف يبني ترامب وبالانتير بديلاً فاشياً للليبرالية؟ بقلم: نوال عباسي، عضو أمانة منتدى سيف القدس في تونس

لم يعد الحديث عن "توحش الغرب" أو "معاداة الإنسانية" مجرد فرضية نقدية في أروقة الأكاديميا، بل تحول خلال سنوات قليلة إلى برنامج سياسي وتقني واضح المعالم، تجسد بشكل صارخ في "ميثاق بالانتير" الصادر في أفريل 2026 .(Palantir Manifesto) هو وثيقة سياسية وأيديولوجية من 22 نقطة، أصدرتها شركة بالانتير للتكنولوجيا، تدعو إلى تحول جذري في دور وادي السيليكون. هو بيان استفزازي يرى أن مستقبل الديمقراطيات الغربية يعتمد على تسليح التكنولوجيا، ويدعو المهندسين إلى تحمل "مسؤولية أخلاقية" بالمشاركة المباشرة في صناعة أدوات الحرب والاستخبارات والردع بالذكاء الاصطناعي. صدر هذا المانفستو كملخص لكتاب صدر عام 2025 بعنوان "الجمهورية التكنولوجية" لمؤسس الشركة ألكسندر كارب ونيكولاس زاميسكا.

هذا الميثاق، الذي يمثل أيديولوجية وادي السيليكون الجديدة، يقدم بديلاً حقيقياً عن الليبرالية العالمية: ليس نظاماً أخلاقياً، بل نظاماً تقنياً-فاشياً، لا يهتم بالإنسان بقدر ما يهتم باستمرار الهيمنة الغربية بأي ثمن. إنه يترجم النظرية النقدية (مدرسة فرانكفورت) إلى خريطة طريق عملية.

هنا يصبح "توحش الغرب" كمسار و"معاداة الإنسانية" كوجهة، حيث لم يعد العنف استثنائياً بل منهجياً، يمارس بدم بارد ودون مبررات أخلاقية. هذا العنف الإداري البيروقراطي يصبح طبيعة ثانية للنظام، فتُعاد تعريف الليبرالية نفسها: لم تعد نظام قيم، بل آلية هيمنة تتحول إلى ما يشبه "الجمهورية التكنولوجية" حيث يُقدّس استمرار النظام مهما كلف الثمن من إنسانية.

يأتي ميثاق بالانتير ليجسد هذه النظريات على أرض الواقع بقلب واضح للمفاهيم. فهو يتبنى القوة الصلبة صراحة، متجاوزاً القوة الناعمة والأخلاق، معلناً أن قدرة المجتمعات الحرة تتطلب أكثر من النداء الأخلاقي، بل تتطلب قوة صلبة تُبنى على البرمجيات. كما يعتبر بناء أسلحة الذكاء الاصطناعي أمراً محسوماً، والسؤال الوحيد هو من سيصنعها ولأي غرض، مما يعكس نهاية التردد الأخلاقي. والأخطر أنه لا يخفي معاداة الإنسانية كأيديولوجية تفوقية، إذ يصف بعض الثقافات بأنها "مختلة وظيفياً ورجعية"، ويدعو لمقاومة "تعددية فارغة". وقد تجسد هذا في الاستخدام الفعلي لأنظمة بالانتير لاستهداف وقتل عشرات الآلاف في غزة عبر "قوائم قتل"، وهو العنف البيروقراطي بعينه.

هذا الميثاق ليس مجرد وثيقة نظرية، بل هو خريطة طريق تنبئ بمآلات خطيرة تتوزع على خمسة تحولات كبرى.

أولها التحول الجيوسياسي والعسكري: "أتمتة "الحرب وتحولها إلى "قتل بيروقراطي"، وظهور "عهد الردع القائم على الذكاء الاصطناعي" بدلاً من التوازن النووي، مما يزيد عدم الاستقرار العالمي.

ثانيها التحول السياسي الداخلي: السعي لـ"دولة الحزب الواحد التكنولوجي" عبر دمج النخب، وفرض "الخدمة الوطنية كواجب عام" لتكوين مجتمع عسكري متجانس، وإنهاء "تحييد" ألمانيا واليابان لبناء حلف غربي أكثر عدوانية.

ثالثها التحول الاقتصادي: اكتمال "الاندماج الهيكلي" بين الدولة والشركات التقنية، حيث يمتلك صانعو السياسات أسهماً في شركات مثل بالانتير.

رابعها التحول الأيديولوجي: تطبيع التفوقية الغربية تحت عباءة التكنولوجيا، وتحويل الحريات الديمقراطية إلى "ترف" يجب التضحية به.

خامسها المقاومة: فعلى الرغم من الدعم السياسي، يواجه الميثاق مقاومة مؤسسية وشعبية، مع سيناريوهات مستقبلية تتراوح بين انتصار الرؤية، أو فشلها، أو تحولها إلى نموذج عالمي هجين.

لكن السؤال الأهم: هل أمريكا "جمهورية تكنولوجية" اليوم؟

الجواب أنها ليست كذلك بعد، لكنها تمر بمرحلة انتقالية متسارعة نحو هذا النموذج. تتجلى ملامح هذه المرحلة في تكامل وادي السيليكون مع البنتاغون، حيث تخلت شركات مثل Google و Meta وOpenAI عن تعهداتها السابقة بعدم تطوير أسلحة، وانضم قادتها إلى الاحتياطي العسكري، بينما تقترب القيمة السوقية لشركتي Palantir وAnduril من قيم عمالقة الدفاع التقليديين. كما تظهر التطبيقات الملموسة في مشروع Maven الذي يعمل كنظام تشغيل قتالي، واستخدام بالانتير في عمليات خطف واغتيال. ولا يغيب النفوذ السياسي المباشر، حيث أصبح نائب الرئيس جيه دي فانس، وهو "الابن الروحي" لبيتر ثيل مؤسس بالانتير، يستخدم منصبه لقيادة مفاوضات حربية مصيرية.

في هذه المرحلة الانتقالية، لا يقود ترامب الرؤية بقدر ما يمكّنها عبر تفكيك العوائق المؤسسية. علاقته بنخبة التكنولوجيا تقوم على تحالف مصالح: فبيتر ثيل هو "صانع الملوك" الذي رعى حملته، وإيلون ماسك هو "الشريك الأيقوني" الذي ترأس "وزارة كفاءة الحكومة" لتفكيك البيروقراطية، وبالانتير نفسها حصلت على عقود بمليارات الدولارات.

وقد فعّل ترامب هذه الرؤية عبر سياسات ملموسة، إذ وقّع قانون التجنيد الآلي (التسجيل التلقائي في نظام التجنيد) الذي طالبت به بالانتير، وألغى القيود التنظيمية على الذكاء الاصطناعي، ودفع نحو تطوير أسلحة مستقلة بالكامل. والأكثر إثارة للجدل هو تضارب المصالح العلني: عندما انهار سهم بالانتير، أصدر ترامب تغريدة يذكر رمز السهم لينتشله، متجاوزاً كل الأعراف الأخلاقية. كل هذا يندرج تحت مظلة فكرية تعرف بـ"التكنوفاشية"، وهي أيديولوجية ترى أن المشكلة هي الديمقراطية وأن الحل هو نظام نخبوي تحكمه التكنولوجيا.

بهذا، تتكامل الصورة أمامنا كاملةً.لم تعد نظرية "توحش الغرب" ضرباً من التحليل الأكاديمي البارد، ولا "معاداة الإنسانية" مجرد شعار راديكالي هامشي. لقد تحولتا، عبر ميثاق بالانتير وسياسات ترامب، إلى بنية تشغيلية فعلية تعيد تشكيل الدولة الغربية من داخلها. ما كان يُقرأ كتحذير مستقبلي أصبح واقعاً يُمارس يومياً: حروب تُدار بالخوارزميات، ومواطنون يُسجلون إجبارياً في نظام تجنيد آلي، وديمقراطيات تُفكك باسم الكفاءة، وقادة شركات يتقلدون رتباً عسكرية ويصوغون السياسات من داخل البيت الأبيض.

إن أمريكا التي نعرفها، بمؤسساتها الديمقراطية وفصل سلطاتها وضماناتها للحقوق والحريات، لم تسقط بعد، لكنها تنزف بصمت. النخبة التكنولوجية لا تحتاج إلى انقلاب عسكري؛ فهي تفضل تفكيك النظام من الداخل، قوانين بقوانين، وعقداً بعقد، وتغريدة بتغريدة. ترامب، في هذه المرحلة، لم يكن القائد الملهم، بل كان المطرقة التي حطمت الأصنام الليبرالية التي كانت تعيق هذا المشروع لعقود.

أما السؤال الأكبر الذي يبقى مفتوحاً على مستقبل قاتم أو مشرق، فهو: هل يدرك المواطن العادي في الغرب أنه أصبح، دون وعي منه، مجرد "مورد بشري" في نظام تقني-فاشي يعيد تعريف معنى الحرية؟ أم أن اليقظة ستأتي متأخرة، بعد أن تصبح "الجمهورية التكنولوجية" قدراً محتماً لا رجعة فيه؟

التاريخ يراقب، والعيون التي تقرأ هذه السطور اليوم قد تكون شاهدة على آخر أيام الديمقراطية كما عرفناها، أو أول أيام مقاومة حقيقية لهذا المسار.

الخيار لم يحسم بعد، لكن ساعة الصمت انتهت!!!!

0% ...

آخرالاخبار

مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تلقي قنابل صوتية خلال اقتحام بلدة بيت فجار جنوب بيت لحم


مصادر فلسطينية: غرق عدد كبير من خيام النازحين في مناطق متفرقة من قطاع غزة جراء هطول الأمطار


متحدث الجيش: فتح مضيق هرمز مرهون بقبول امیرکا لشروطنا


محمد علي الحوثي: ما استهدفه العدو السعودي خلال 12 عاما من مدنيين وأعيان مدنية وبنية تحتية هي جرائم حرب مستمرة ولا تسقط بالتقادم


عضو المجلس السياسي الأعلى في اليمن محمد علي الحوثي: استهداف العدو السعودي المستمر للأسواق والمنشآت والأعيان المدنية هي جرائم حرب


وول ستريت جورنال عن مصادر: تأخيرات متوقعة في مشروع مطار سلمان الدولي بالرياض بعد توقف بعض الأعمال جراء العمليات اليمنية الأخيرة


وول ستريت جورنال عن مصدر مطلع: بعض مرافق مطار خالد الدولي بالرياض تعرضت لضربات شديدة وتحتاج إلى أشهر لإصلاحها


إطلاق نار مكثف من الدبابات الإسرائيلية شرق مدينة حمد شمالي مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة


قصف مدفعي شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة


إبراهيم عزيزي: سنواجه كل خطأ برد حاسم حتى نحرر أكبر قاعدة عسكرية لأمريكا، الكيان الصهيوني، نهائيا


الأكثر مشاهدة

وزير الحرب الأمريكي هيغسيث: لم ينجح العزل مع الرئيس ترامب ولن ينجح معي


ارتفاع أسعار النفط نحو 4% وبرنت يسجل 98 دولارا للبرميل


فرانس برس: ١.٦ مليون شخص في مختلف أنحاء فرنسا يشاركون في احتجاجات على على ارتفاع الأسعار


الرئيس الصهيوني: سأعلن يوم الأحد اسم المكلف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة


السيطرة على سادس طائرة استطلاع أمريكية مسيّرة من طراز MQM-170 في سماء جزيرة قشم


البرلمان التركي يصدق على "اتفاقية مكة" للدفاع المشترك بين تركيا وباكستان والسعودية


ترامب حول النزاع الأوكراني: أعتقد أننا سننهي الأمر قريبا جدا ربما قريبا جدا


إسلامي: تهديد ترامب بشن هجوم على جبل كلنج دليل على العجز


رئيس المنظمة الايرانية للحج والزيارة يبدأ زيارة الى السعودية بدعوة من نظيره السعودي


الرئيس الصهیونی يحدد موعد الإعلان عن اسم الشخصية المكلّفة بتشكيل الحكومة المقبلة


"يونيفيل": نواصل مهامنا في جنوب لبنان حتى انتهاء ولايتنا بنهاية العام الجاري