عاجل:

الحقيقة البسيطة: نحن معًا… أو لا نكون

الأربعاء ٠٦ مايو ٢٠٢٦
٠٦:٣١ بتوقيت غرينتش
الحقيقة البسيطة: نحن معًا… أو لا نكون ليس في لبنان ما هو أعقد من تركيبته، ولا ما هو أبسط من شرط بقائه. قد نختلف في كلّ شيء: في السياسة، في الخيارات، في قراءة الأخطار وتحديد الأولويّات، لكنّنا نلتقي-  شئنا أم أبينا - عند حقيقة لا تقبل التجزئة: هذا الوطن لا يعيش إلاّ بجميع مكوّناته، ولا يسقط إلاّ حين يظنّ بعضه أنه يستطيع النجاة من دون البعض الآخر. 

منذ انبعاثه، لم يكن لبنان مشروع غلبة، بل صيغة لقاءٍ كان يفترض أن تكون مصدر غناه، لكنها تحوّلت مرارًا إلى باب أزماته، لا لأنّها خاطئة في ذاتها، بل لأنَّ إدارتها انحرفت من الشراكة إلى المحاصصة، ومن الثقة إلى الريبة، ومن التنوّع إلى التناحر. وهنا، بالذات، يجد العدوّ طريقه الأقصر: لا عبر الحدود، بل عبر النفوس.

هجوم العدوان علينا خطر لا ريب فيه. لكن الأشد خطورةً أن ينجح العدو في إقناع بعضنا بأنَّه ليس معنياً بهذا الخطر، وأنّ المواجهة تخصّ فئة دون أخرى. عندها، يُعاد رسم الخريطة داخل العقول قبل الجغرافيا، ويُقدَّم المكوّن الذي يقاوم على أنّه عبء، لا سند؛ على أنّه مشكلة، مع أنّه يتحمّل عن الوطن التضحيات الجسيمة. هكذا، تتحوّل عناصر القوة إلى نقاط ضعف، ويُستدرج الداخل-من حيث لا يدري - ليعاون الخارج ويحقّق له ما عجز عنه.

ليست المشكلة في النقاش، ولا في الاختلاف، فهذه علامات صحة لا علل انهيار. المشكلة حين يفقد النقاش سقفه الوطني، ويتحوّل إلى أداة عزلٍ وتشكيك، وحين يُستبدل منطق التكامل بمنطق الاتهام، فيُدفع البلد - بوعي أو من دونه - نحو تفكيك ذاته. لقد علّمتنا الحرب الأهلية اللبنانية أن الانقسام الداخلي ليس خياراً، بل قفزٌ في الهاوية، وأن كل وهم بإمكان قيام "لبنانٍ ناقص" ينتهي إلى واقعٍ مفكّك لا مصلحة لأحدٍ فيه إلاّ العدوّ.

والتجربة نفسها تقول إنّ أي محاولة لعزل أيٍّ من المكونات اللبنانية - وفي طليعتها المكوّن الشيعي- لم تنجح يومًا، ولن تنجح. لا لأنَّ هذا المكوّن فوق الآخرين، بل لأنَّه جزءٌ أصيل من النسيج الوطني، متجذّرٌ في أرضه وتاريخه وواقعه، ومتشابكٌ مع إخوته اللبنانيين على نحو يجعل فصله وهمًا، وعزله ضربًا من تجاهل الواقع. إنَّ تصويره كجسمٍ منفصل لا يُضعفه بل يُضعف فكرة الشراكة الوطنية، ويفتح الباب أمام مزيد من الانقسام الذي لن ينجو أحدٌ من تداعياته.

العدو لا يفرّق بين لبناني وآخر، لكنه يراهن على أن نفعل نحن ذلك. يراهن على أن نخاف بعضنا من بعض أكثر مما نخاف منه، وأن ننشغل بخلافاتنا أكثر مما ننتبه إلى مخططاته وأطماعه، وأن نُضعف ما فينا من عناصر قوة تحت عناوين شتى، حتى إذا ما اشتدّ الخطر، وجدنا أنفسنا معزولين، بلا سند، ولقمةً سائغةً أمام وحشٍ مستفرس يرانا كلّنا "غوييم" يبتغي أرضنا ولا يريدنا إلاّ قتلى أو مشرّدين أو مستعبدين وليس من رادعٍ له في هذا العالم الذي سقطت فيه كلّ الضوابط القانونية والأخلاقية ومعها المؤسسات الدوليّة.

ليس المطلوب إلغاء الاختلاف، بل حمايته من التحوّل إلى انقسام. وليس المطلوب فرض رأيٍّ واحد، بل تثبيت قاعدة واحدة: أنَّ كلّ خلافٍ يجب أن يبقى تحت سقف بقاء الوطن، لا أن يتحوّل إلى معولٍ يُمعن هدماً في ركائزه. فكلُّ مكوّن في هذا البلد ليس فائضًا يمكن الاستغناء عنه، بل ضرورةٌ لا غنى عن مقدّراتها ولا يستقيم الكيان من دونها.

لبنان لا يُختصر، ولا يُبتر، ولا يُحمى حين يُعزل جزءٌ منه أو يُحمَّل وحده كلفة المواجهة. قوّته في جمعه، وضعفه في تفرّقه، والخطورة في أن يقتنع بعضه بأنَّ خلاصه يكون بإقصاء بعضه الآخر وبالذهاب الى التعاون مع العدوّ. وكل دعوة إلى ذلك، مهما تزيّنت بالشعارات، إنما تدفعه خطوة إضافية نحو التفكك وتتهدّده بالإنفجار والزوال.

وفي زمن العدوان والرياح العاتية، لا تنفعنا كثرة المواقف إذا غاب عنّا جوهر المسألة. فالحقيقة، مهما حاولنا الالتفاف عليها، تبقى واحدة وبسيطة: نحن معًا… أو لا نكون

* بقلم: محمد وسام المرتضى .. وزير لبناني سابق

0% ...

آخرالاخبار

بيان سعودي مصري باكستاني تركي: نؤكد أن الحوار والدبلوماسية هما السبيل الوحيد للتوصل إلى حلول مستدامة


قاليباف: ليعلم الرئيس الأميركي أنه يواجه شعباً مستقلاً وحضارة عريقة


قاليباف: التفاوض لا يعني الخروج من ساحة النضال والدبلوماسية لا تعني الاستسلام بل تحويل قوة الميدان إلى مكاسب سياسية


إيران تبني جيل المستقبل.. أكثر من ألفي طفل ويافع في سباق الروبوت والابتكار


قائد الثورة: سلامٌ على الأساتذة والمعلّمين والطلاب الشهداء في الحرب المفروضة الثالثة، وفي مقدمتهم قائدنا الحكيم ومربّينا العظيم، الذي أسهم في تسريع مسيرة العلم في البلاد


توقف قصير للرئيس بزشكيان في مطار الجزائر في طريقه الى نيويورك


قاليباف: ليعلم أعداؤنا أننا لن نبقى منتظرين ولن نستسلم أو نعطل البلاد وسنبقى صامدين حتى انتهاء التهديد


مصادر اعلامية: الوفد الكوبي يغادر قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء كلمة ترامب


قاليباف: ليعلم أعداؤنا أن ردنا على الحروب المركبة والعسكرية والاقتصادية والدبلوماسية هو قطعاً ذات ردنا السابق


قائد الثورة: بداية العام الدراسي الجديد وفتح أبوابِ دورِ العلم والأدب في المدارس والجامعات تبشّران بالنشاط والأمل، وبمسيرة الشعب المتسارعة نحو مستقبل مشرق ومجيد