عاجل:

معادلات الكيمياء السياسية: تفكيك الخطاب "الموزون" للشيخ نعيم قاسم

الإثنين ٢٢ يونيو ٢٠٢٦
٠٩:٤٩ بتوقيت غرينتش
معادلات الكيمياء السياسية: تفكيك الخطاب بقلم: د. أكرم شمص

لم يكن الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، في المجلس العاشورائي المركزي (ليلة أصحاب الإمام الحسين (ع)) مجرد استعراض سياسي للمرحلة أو قراءة إنشائية لنتائج الحرب، بل جاء كعملية هندسة سياسية ومفاهيمية متقنة، صاغها "أستاذ الكيمياء" الذي يعرف كيف يزن التفاعلات السياسية بميزان المختبر الدقيق، ويطرح المعادلات السياسية كحتميات ميدانية لا تقبل التأويل.

من الناحية الفلسفية والسياسية، يمثل هذا الخطاب إعلانًا رسميًا عن انتقال المحور من "فلسفة الصمود والمظلومية" إلى "فلسفة فرض الشروط واستثمار كسر المشروع المعادي".

أولاً: إعادة تعريف المفهوم.. "تفكيك البنية اللغوية للاحتلال"

في الفلسفة السياسية، من يمتلك القدرة على "تعريف المصطلحات" يمتلك القدرة على توجيه المعركة. لقد رفض الشيخ نعيم قاسم الاستسلام للمفهوم الأميركي–الصهيوني لـ"وقف إطلاق النار"، والذي يحاول الاحتلال من خلاله شرعنة اعتداءاته تحت مسمى "حرية الحركة".

أعاد الشيخ بناء المفهوم على قواعد سيادية صارمة، حاصرًا "وقف النار" بـ:

الوقف الشامل والكامل: برًا وبحرًا وجوًا.

تفكيك الوجود: عدم ترسيخ الحضور في المناطق المحتلة، والانسحاب الكامل، ووقف الهدم.

بموجب هذا التفكيك، يصبح أي قرار لوقف إطلاق النار لا يتضمن هذه البنود مجرد "استمرار مقنّع للعدوان"، وهو ما أعلنت المقاومة رفضها القاطع له، واضعةً اتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر وراء ظهرها.

ثانيًا: فلسفة "الزمن الجديد".. ما بعد الثاني من آذار

جاءت عبارة الشيخ قاسم: "لقد انتهينا مما قبل الـ2 من آذار" لتعكس تحولًا فلسفيًا في مفهوم "الزمن السياسي والعسكري".

في عالم الاستراتيجية، تعني هذه الجملة "موت القواعد القديمة وولادة معادلة ردع جديدة".

الرسالة هنا للعدو الصهيوني واضحة: إن مرحلة امتصاص الضربات أو الردود المدروسة قد انتهت، وأي خرق مستقبلي سيُواجَه بديناميكية عسكرية مختلفة تمامًا، مستندة إلى واقع ميداني وإقليمي جديد تتبلور فيه موازين القوى لصالح المحور.

ثالثًا: تحويل "الفقد" إلى "رصيد استراتيجي" (معادلة إيران)

أخطر ما في الخطاب هو القراءة السياسية العميقة لتبعات الحرب الأميركية–الصهيونية على إيران، واستشهاد قادة المحور. يسعى الاحتلال عادةً، عبر سياسة الاغتيالات والحروب الشاملة، إلى إحداث "صدمة وانهيار" في بنية الخصم.

لكن الخطاب نقل السردية إلى مقلب آخر تمامًا:

فشل الرهان على السقوط: أكد الشيخ أن مشروع إنهاء إيران وحزب الله قد سقط، وأننا نعيش اليوم مرحلة "نتائج كسر المشروع".

إيران الأقوى: خرجت الجمهورية الإسلامية من الآتون أقوى، وأثبتت قدرتها على فرض شروطها (مثل إغلاق مضيق هرمز) وجعلت وقف العدوان على لبنان بندًا أوليًا في تفاهماتها الدولية.

هنا يتحول "الدم والتضحية" في الفلسفة السياسية للمقاومة من "خسارة استراتيجية" إلى "رصيد عظيم وثابت" يُبنى عليه في رسم خرائط المنطقة الجديدة.

رابعًا: البراغماتية الصادمة في قراءة الوجود الأميركي

في لفتة فلسفية لافتة حول طبيعة القوة والهيمنة، فكّك الشيخ قاسم الرواية التي تحاول إظهار الإدارة الأميركية (وتحديدًا دونالد ترامب) بمظهر "العاجز" عن لجم جنون نتنياهو.

بقوله: "أحمق من يظن أن ترامب لا يستطيع إيقاف الكيان الصهيوني"، يعيد الشيخ قاسم صياغة المسؤولية الأخلاقية والسياسية؛ فالحرب ليست نتاج "جنون إسرائيلي منفلت"، بل هي "قرار أميركي مغطّى بالكامل"، وبالتالي فإن أميركا هي المسؤول الأول والوحيد القادر على إنهاء هذا المشروع إن أرادت.

خامسًا: الداخل اللبناني.. جدلية "التعايش السيادي" مقابل "الاستقواء"

لم يغفل الخطاب "المهندس" توجيه رسائل حادة ومحفزة في آن واحد للدولة والسلطة اللبنانية، عبر مقارنة مسارين فلسفيين لإدارة الحكم:

مسار الاستفادة من عناصر القوة (إيران): استثمار رصيد دولة إقليمية تغلق المضائق وتفاوض الكبار دفاعًا عن لبنان.

مسار التفاوض المباشر مع العدو: التنازل المستمر للعدو الصهيوني دون تحقيق نتائج سيادية حقيقية.

ومن هنا، أحرج الشيخ قاسم السلطة السياسية بمفارقة منطقية: إذا كانت الولايات المتحدة نفسها تفاوض إيران وتصيغ معها التفاهمات، فبأي منطق سياسي يُقطع لبنان علاقاته بها بـ"أمر عمليات خارجي"؟

واختُتم الخطاب برؤية إنقاذية للداخل تقوم على قاعدتين:

التعايش الداخلي: الالتزام بالشراكة ورفض الاستئثار والاستقواء بالأجنبي لتصفية الحسابات السياسية.

السيادة الوطنية: الرهان على الجيش الوطني لانتشار وحفظ السيادة، ورفض أي "مناطق أمنية" يحاول الاحتلال فرضها.

سادسًا: لماذا تبدو كلمات الشيخ نعيم أقوى في كل مرة؟

لأن الأمين العام لم يعد يخاطب جمهور المقاومة فقط، بل يخاطب وقائع تتغير على الأرض. ففي كل خطاب يضيف حجرًا جديدًا إلى بناء سياسي متكامل: من تثبيت شرعية المقاومة، إلى تحميل واشنطن مسؤولية العدوان، إلى نزع شرعية الضغوط الداخلية، وصولًا إلى تقديم إيران كعامل قوة للبنان لا كعبء عليه. لذلك تبدو كلماته أكثر قوة، ليس بسبب ارتفاع النبرة، بل لأن كل خطاب يأتي بعد حدث كبير يثبت جزءًا من المعادلة التي كان يطرحها سابقًا.

الخلاصة

إن خطاب الشيخ نعيم قاسم يمثل وثيقة سياسية تؤرخ للانتقال من مرحلة الدفاع الذاتي إلى مرحلة تسييل نتائج الصمود. لقد وضع الخطاب قواعد واضحة لأي تسوية مقبلة: "وقف عدوان شامل أو استمرار في المواجهة بلا سقوف"، مقدّمًا رؤية واثقة ترى في المتغيرات الإقليمية الكبرى فرصة تاريخية للبنان للتحرر من عقدة الضعف والاستسلام، والتمسك بعناصر قوته فرضًا للسيادة الحقيقية.

0% ...

آخرالاخبار

حرس الثورة: العدو بعد فشله في المجال العسكري، لجأ إلى حروب هجينة ونفسية واقتصادية وإعلامية


حرس الثورة: القوات المسلحة على أهبة الاستعداد للرد بحزم وبشكل مدمر على أي اعتداء أو خطأ في حسابات العدو


حرس الثورة: على أمريكا والنظام الصهيوني أن يدركا أن عليهما، عاجلًا أم آجلًا، القبول بمنطقة خالية من وجودهما الخبيث والإجرامي، وأنهما لن يتمكنا من الإفلات من هذا المصير


وزير الداخلية الباكستاني لبزشكيان: عازمون على مواصلة تطوير وتعزيز العلاقات والتعاون بين البلدين في مختلف المجالات


بزشكيان: إيران وباكستان من الدول القوية في المنطقة، وتمتلكان إمكانات بشرية هائلة وموارد غنية


بزشكيان: اللقاءات والمشاورات المتعددة بين الوفود الإيرانية والباكستانية نموذج واضح لهذا المسار


بزشكيان: الإجراءات والضغوط الأميركية أسهمت في زيادة التقارب والتفاعل المستمر بين الدول الإسلامية


الرئيس الإيراني بزشكيان لوزير الداخلية الباكستاني: طهران وإسلام آباد قادرتان على تلبية احتياجاتهما بالاعتماد على القدرات والإمكانات الإقليمية


تصعيد إسرائيلي متسارع يخنق جنين ويشعل الضفة الغربية


بقائي: منع صحفيين إيرانيين من دخول الأمم المتحدة محاولة لإخفاء الحقيقة


الأكثر مشاهدة

نفاد الوقود يهدد مستشفيات غزة بالشلل ويهدد حياة المرضى


تقدم يمني متسارع يربك القوات المدعومة سعودياً في تعز ولحج


ترامب يصعّد ضد إيران و"إسرائيل"تترقّب ساعة المواجهة


اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار