عاجل:

إيران تُحوّل الجرج النازف إلى قبضة مشدودة

الخميس ٠٢ يوليو ٢٠٢٦
٠٢:٠٥ بتوقيت غرينتش
إيران تُحوّل الجرج النازف إلى قبضة مشدودة بقلم: نوال عباسي .. عضو منتدى سيف القدس

في شوارع طهران هذه الأيام، لا يُشاهد بعدُ موكبُ الجنازة، بل تُرى ملامحُ ولادتها: مدينةٌ بأكملها تتهيأ لاحتضان مشهدٍ لم تعرفه من قبل، وكأنها قبضةٌ بدأت تنقبض ببطء قبل أن تشتدّ، تستعدّ لاستقبال الملايين القادمين من كل حدب وصوب، فيما تترقب العيون لحظةَ انطلاق الموكب الذي سيكون الأضخم في تاريخ إيران، وتلك الاستعدادات ليست مجرد ترتيبات لوجستية، بل هي تجسيدٌ حيّ لروح القبضة المشدودة التي التقطتها الكاميرات من يد السيد المجتبى خامنئي وهو يقف صامتاً أمام جثمان والده، فما كانت تلك اللحظة العابرة إلا بذرة تحولت إلى شعار يُزيّن الجدران ويُطرّز على اللافتات ويستقبل الزائرين في المطار، وكأن المدينة برمتها تُحكِم قبضتها على جرحها قبل أن يُفتح، وتستعدّ لتحويل الفقد إلى ملحمةٍ تُروى للأجيال.

وهكذا، إذ يُتوقع أن يتوافد ما بين خمسة عشر إلى عشرين مليون مواطن إلى هذه العاصمة في مشهدٍ سيُعدّ الأضخم في تاريخ إيران، تجد المدينة نفسها وقد بدأت في شدّ عضلاتها، فتغلق مؤسساتها من الرابع إلى السادس من يوليو، وتجعل وسائل النقل العام مجانية بالكامل، وتُشغّل المترو بلا توقف، وتنشر ألفًا وخمسمئة مسعف في كل منعطف، وكأن كل تفصيلة من تفاصيل هذا التنظيم ليست سوى إصبعٍ من أصابع تلك القبضة التي تمسك بملف العزاء بإحكام، لئلا يفلت منها شاردة أو واردة، وفي الجامع الكبير، يضرب العمال الحديد والمسامير ويُزيّنون الجدران، بينما ترسم الرافعات في السماء خطوطا هندسية لاستقبال الجثمان الذي سيوضع في المصلى أيام الرابع والخامس من هذا الشهر، قبل أن ينطلق في موكبٍ مهيب يوم السادس، لتكون المدينة التي حوصرت بقرارات الحرب وحصار السنوات على موعدٍ مع اختبارٍ استثنائي لقدرتها على احتضان الملايين دون أن تفقد أنفاسها، بل إنها تتنفس الحياة من خلال هذا التحضير ذاته، وكأن الاستعداد للوداع هو نفسه فعلُ وجودٍ متجدّد.

معنى القبضة يتجاوز التنظيم إلى عمق الوجدان، فهي ليست وليدةَ لحظة عابرة، بل هي حصادُ مسيرةٍ حافلةٍ بخصالٍ ثلاثةٍ كان الفقيد رمزاً لها طوال عقود، إذ كرّس حياته لدعوةٍ لا تزال تتردد في أروقة المدينة وهي تستعد لوداعه: وحدة المسلمين التي ظلّ ينادي بها فوق كل المنابر، جامعاً شتات الأمة في عقدٍ واحد، مؤمناً بأن تفرقها هو أعظم انتصارات المستكبرين، فكانت كلمته جسراً بين السنة والشيعة، وبين العرب والعجم، وكأنه يوصي في صمته الأخير ألّا تفلت القبضة عن هذا الجمع الشتيت؛ ونصرة المستضعفين التي لم تكن شعاراً يُردّد بل ناراً تأججت في قلبه، فقضى عمره يرفع صوت من لا صوت لهم، من غزة إلى بيروت إلى صنعاء، حاملاً هموم المقهورين في كل مكان، وكأن قبضته التي شدّ عليها الآن هي امتدادٌ ليدٍ كانت تُمتدُّ دوماً إلى من سقطوا تحت وطأة الظلم؛ ومقاومة المستكبرين التي كانت نبراس دربه، فلم يرضَ بالخنوع يوماً، ووقف في وجه الإمبراطوريات بصلابة الجبال، يحمل راية "لا استسلام" وكأن كل ذرة من كيانه كانت قبضةً تردّ على كل قبضة استكبار، وهذه الخصال الثلاث ليست مجرد سيرةٍ تُروى، بل هي الروح التي تتنفسها طهران اليوم في تحضيراتها، فكل لافتة تُرفع وكل شارع يُعبّد وكل مسعف يُنشر ليس سوى انعكاسٍ لتلك المبادئ التي حوّلت الفقيد من إنسانٍ إلى قضيةٍ، ومن رمزٍ إلى قبضةٍ لا تنفكّ عن وجدان الأمة.

ومع أن هذه الاستعدادات المحلية كانت كافيةً لأن تكون تاريخية، فإنها سرعان ما اتسعت دائرتها لتشمل أحرار العالم، الذين بدأوا يشدّون الرحال إلى طهران رغم الحصار وصعوبة السفر، ليأتوا من لبنان وفلسطين واليمن وباكستان وتونس وأفريقيا وآسيا، حاملين قبضاتهم المضمومة التي لا تختلف عن قبضة الإيرانيين، وكأن طهران في أيام التحضير هذه ليست عاصمة دولةٍ واحدة بل عاصمة قبضةٍ عالمية تستعدّ لمواجهة عاصفة الظلم، وهنا يحدث التداخل الأعجب: يتشابك الفلسطيني مع الإيراني في صالات المطارات، واللبناني مع الباكستاني في شوارع المدينة، وقبضة كلّ منهم تشدّ على الأخرى في مشهدٍ يسبق الموكب نفسه، ليؤكدوا أن صمود إيران لم يعد قضيةً وطنية بل ميراثاً للأحرار في كل مكان، وأن القبضة التي تُحضَّر في طهران تمتد إليها أيادٍ من كل حدبٍ وصوب، فتتحول العزاء المنتظر إلى ملحمةٍ جماعية تعبر الحدود وتلغِي المسافات، وكأن الاستعداد للوداع أصبح طقساً كونياً يشارك فيه من آمن بأن القبضة لا تنفتح وإن تعددت الجراح، ومَن استشعر أن خصال الفقيد الثلاث ليست وصايا ماضوية، بل منهجُ حياةٍ يتجدد كلما اشتدّت قبضةٌ على قبضة.
وبينما تُرصّ المنصات في مصلى الإمام الخميني استعداداً لوضع الجثمان يومي الرابع والخامس، وتُعبّد الطرق لموكب السادس الذي سينطلق قبل أن يرتحل الجثمان إلى قم فالنجف وكربلاء وأخيراً إلى مشهد حيث مثواه الأخير، تبقى طهران في هذه الأيام تعيش حالةً من التركيز الجماعي النادر، حيث كل فرد يعرف دوره، وكل شارع يعدّ نفسه ليكون جزءاً من مشهدٍ واحد، وكأن المدينة بأكملها تدربت على الوقوف قبضةً واحدة، من طفلٍ في المهد إلى عجوزٍ يتوكأ على عصاه، ويبدو أن التحضير لهذا الموكب ليس مجرد إعداد تقني، بل هو طقسٌ وطني يتكرس فيه معنى الصمود، حيث تُترجم خصال الفقيد إلى أفعال: الوحدة تتجلى في تعاون الفئات كلها، ونصرة المستضعفين تظهر في استضافة المحتاجين وتأمين وصولهم، ومقاومة المستكبرين تعلنها القبضات التي تُرفع على كل لافتة وكأنها تقول للعالم إننا وإن كنا نودّع قائداً، فإننا نستعدّ لمواصلة طريقه بالوسيلة ذاتها التي آمن بها: قبضةٌ لا تلين أمام عاصفة الطغيان.

في النهاية، وكما يليق بمدينةٍ صامدةٍ تعضّ على جرحها قبل أن يُكشَف، تثبت طهران في أيام تحضيراتها أن الحرب اغتالت جسد القائد لكنها لم تستطع أن توقف دقات القلب الذي يخفق استعداداً للوداع، وأن القبضة التي تُصنع الآن في ورشات المدينة وعلى جدرانها وفي شوارعها ليست مجرد شعارٍ عابر، بل هي انقباضٌ يسبق الانطلاق، مثل عضلة القلب ذاتها التي تنقبض كي تنبض بالحياة من جديد، وكل هذه الاستعدادات ليست سوى مرحلةٍ أولى من ملحمةٍ ستُكتب في الأيام القادمة، وحين يحين الموعد، سترى طهران كيف تصبح القبضة المشدودة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع، حاملةً في طياتها إرثاً ثلاثياً: وحدةً تجمع الشتات، ونصرةً تشد أزر المظلوم، ومقاومةً تهزّ عروش المتجبرين.
الجرح ينزف والحداد عميق، لكن القبضة لا تنفتح، وإيران لا تموت بتغييب قائد، بل تصبح قبضتها أشد وطأة.

0% ...

آخرالاخبار

بقائي: الدولة التي كانت تتباهى ذات يوم بإسقاط "الستار الحديدي"، باتت اليوم عالقة خلف "ستار حديدي" داخل حدودها


غوتيريش: تتورط القوى العظمى في الصراعات، وفي بعض الحالات تتصرف بشكل يتعارض مع القانون الدولي


الأمين العام للأمم المتحدة أنطوني غوتيريش: نواجه فجوة جيوسياسية كبيرة تعيق عمل مجلس الأمن


يحيى سريع: 917 غارة وصاروخا إجمالي قصف العدوان السعودي على اليمن منذ بدء التصعيد


يحيى سريع: الغارات السعودية نُفّذت من طائراتها الحربية نوع "F-15"  و"تايفون أقلعت من قاعدتي خميس مشيط والطائف، والعدوان الصاروخي من نجران وجيزان


متحدث القوات المسلحة اليمنية يحيى سريع: في تصعيد كبير استهدف "العدو السعودي" محافظات الجوف وتعز وصعدة ومأرب بـ 157 غارة جوية وصاروخا  


بقائي: تقييد وصول الصحفيين إلى المعلومات يمثل انتهاكًا لحق الوصول إلى المعلومات ومحاولة لمواصلة حملة من المعلومات المضللة والزائفة


بقائي: منع الفريق الإعلامي للرئيس الإيراني من الوصول إلى المعلومات يهدف إلى الحيلولة دون إيصال صوته


المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي: منع وسائل الإعلام الأميركية والصحفيين الأجانب من الوصول إلى المعلومات ليس إدارةً للوصول إلى المعلومات، بل محاولة لإخفاء الحقيقة


4 شبكات بث أميركية كبرى تعلق تغطية فعاليات ترامب تضامناً مع CNN


الأكثر مشاهدة

نفاد الوقود يهدد مستشفيات غزة بالشلل ويهدد حياة المرضى


تقدم يمني متسارع يربك القوات المدعومة سعودياً في تعز ولحج


ترامب يصعّد ضد إيران و"إسرائيل"تترقّب ساعة المواجهة


اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار