عاجل:

"حين بكى التاريخ... الإمام في رحلته الأخيرة من ذاكرة الأمة إلى الخلود"

الأحد ٠٥ يوليو ٢٠٢٦
٠٦:٢٤ بتوقيت غرينتش
بقلم: حيدر زيبرم

ليست جنازات القادة مجرد مراسم بروتوكولية تُطوى بانتهاء التشييع، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى لحظة تاريخية تتجاوز حدود المكان والزمان، فتغدو مرآة تعكس صورة العلاقة بين القائد وشعبه، وبين الفكرة التي حملها والجماهير التي آمنت بها. وفي المخيال السياسي والديني، يصبح الوداع لغة أخرى للتاريخ، تكتبها الدموع كما تكتبها المواقف.
إن أي وداع لقائد بحجم الإمام الشهيد السید علي الخامنئي ، لن يكون مجرد انتقال من حياة إلى ذكرى، بل انتقال لفكرة من حضور الجسد إلى حضور الرمز. فالجسد يوارى الثرى، أما المشروع، فيبقى موضع اختبار أمام الأجيال، والرجال يرحلون، بينما تستمر آثارهم في الذاكرة الجمعية، بين مؤيد يراها إرثا يجب الحفاظ عليه، ومعارض يقرأها قراءة مختلفة، وهي سنة التاريخ في جميع الشخصيات الكبرى.
وفي مثل هذه اللحظات، تتغير وظيفة المدن. فلا تعود الشوارع طرقا للعبور، بل تصبح ممرات للذاكرة. وتتحول الساحات إلى صفحات مفتوحة يكتب عليها الناس مشاعرهم، كلٌّ بلغته، وكلٌّ من موقعه. وحين يمتد الليل على مواكب المعزين، يصبح السكون أكثر بلاغة من الخطب، ويغدو الوقوف الطويل بجوار النعش تعبيرا رمزيا عن الارتباط بما يمثله صاحبه في وجدان المشاركين.

إن حضور الوفود الرسمية في مراسم الوداع لا يقتصر على أداء واجب دبلوماسي، بل يحمل رسائل سياسية تتجاوز حدود التعزية. فالدول، حين تشارك في تشييع شخصية مؤثرة، إنما تعلن اعترافها بحجم تأثيرها في معادلات الإقليم والعالم، حتى وإن اختلفت معها في الرؤى والسياسات. لذلك، فإن مراسم الوداع كثيرا ما تكون امتدادا للسياسة بلغة الصمت، وللدبلوماسية بلغة الحضور.
أما الحضور الشعبي، فهو المعيار الأكثر تعقيدا في قراءة هذه المشاهد. فالجموع التي تتوافد إلى ساحات العزاء لا تأتي جميعها بالدوافع نفسها، لكنها تشترك في الإحساس بأن لحظة استثنائية قد حلّت، وأن التاريخ يكتب فصلا جديدا. وفي الثقافة الشرقية، يكتسب السهر إلى جانب الجثمان بعدا وجدانيا خاصا؛ فهو إعلان وفاء، ومحاولة أخيرة لمرافقة الراحل قبل أن ينقطع اللقاء بين الأحياء والأموات.
ومن الناحية الرمزية، فإن امتداد المراسم إلى مدن ذات مكانة دينية، ككربلاء المقدسة والنجف الأشرف، يمنح الوداع بعدا يتجاوز الحدود الجغرافية، ليصبح جزءا من الذاكرة الدينية والثقافية لدى المشاركين، حيث تمتزج رمزية المكان برمزية الشخصية، فيتداخل التاريخ بالعقيدة، والسياسة بالوجدان، والذكرى بالإيمان.
ومهما اختلفت القراءات السياسية حول الشخصيات المؤثرة، فإن التاريخ يجمع على حقيقة واحدة: أن القادة الكبار لا يُقاس أثرهم بلحظة الرحيل، وإنما بما يبقى بعد الرحيل من أفكار ومؤسسات وتحولات. فالموت يطوي صفحة الإنسان، لكنه لا يغلق كتاب التاريخ، بل يفتح أبوابا جديدة للتقييم والمراجعة وإعادة القراءة.
وهكذا، فإن مشهد الوداع، في معناه الإنساني العميق، ليس خاتمة لسيرة، بل بداية لمرحلة جديدة تعيش فيها الشخصية في الذاكرة أكثر مما عاشت في الواقع. فالنعوش تمضي إلى مثواها الأخير، لكن الرموز تبقى موضع نقاش، والذكريات تستمر في تشكيل الوعي، جيلا بعد جيل.

رحم الله كل من رحل، وجعل التاريخ منصفًا في قراءة الرجال، فلا يطغى الحب على الحقيقة، ولا يحجب الخلاف ما كان لهم من أثر في مسيرة أوطانهم وشعوبهم.

0% ...

آخرالاخبار

مصادر فلسطينية: جريحان نتيجة قصف طيران العدو منزلا في حي التفاح شرق مدينة غزة


الناطق باسم حركة حماس، حازم قاسم: ادعاءات الاحتلال بخرق عناصر من حماس اتفاق وقف إطلاق النار هي باطلة ولا أساس لها، وتهدف لايجاد تبريرات لانتهاكات الاحتلال وتصعيد عدوانه


اللواء إيزدي: إيران تعزز قدراتها في مجالات الصواريخ والطائرات المسيرة والأنظمة السيبرانية والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي


نائب قائد حرس الثورة اللواء إيزدي: حضور الشعب في الساحات يُحبط مخططات العدو


حرس الثورة: أمريكا وكيان الاحتلال سيرضخان لواقع منطقة خالية من وجودهما


صنعاء تعلن عن عدوان سعودي كبير على محافظات يمنية وتؤكد أنه لن يمر دون رد


استطلاع رأي "رويترز ايبسوس": 17% فقط من الأميركيين يؤيدون طريقة تعامل ترامب مع تكاليف المعيشة


الخارجية القطرية: أي اتفاق بين واشنطن وطهران لن يكون نهائيا بل سيكون كافيا لبدء التفاوض


المتحدث باسم الخارجية القطرية: نحن بحاجة إلى حل دبلوماسي مستدام يحقق الضمانات الأمنية لكل دول المنطقة


المتحدث باسم الخارجية القطرية: نسعى إلى تسهيل اتفاق بين واشنطن وطهران حتى لو قصير الأمد ليفتح الباب لمفاوضات


الأكثر مشاهدة

نفاد الوقود يهدد مستشفيات غزة بالشلل ويهدد حياة المرضى


تقدم يمني متسارع يربك القوات المدعومة سعودياً في تعز ولحج


ترامب يصعّد ضد إيران و"إسرائيل"تترقّب ساعة المواجهة


اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار