عاجل:

القواعد لا الدول... حين تعيد إيران تعريف الجغرافيا السياسية للحرب

الخميس ١٦ يوليو ٢٠٢٦
٠١:٣٥ بتوقيت غرينتش
القواعد لا الدول... حين تعيد إيران تعريف الجغرافيا السياسية للحرب بقلم: د. أكرم شمص - لبنان

في الحروب الكبرى لا تكون الصواريخ وحدها هي التي ترسم الخرائط، بل الفلسفة التي تختار الأهداف. فطريقة اختيار الهدف تكشف طبيعة العقل الاستراتيجي أكثر مما تكشفه البيانات العسكرية. ومن هنا يمكن قراءة السلوك الإيراني الأخير باعتباره محاولة لإعادة تعريف مفهوم الحرب في الشرق الأوسط، عبر الفصل بين "الدولة المضيفة" و"القوة العسكرية الأجنبية" الموجودة على أراضيها.

لقد أرادت طهران أن تقول إن خصومتها ليست مع شعوب المنطقة ولا مع دوله بوصفها كيانات سياسية، وإنما مع الوجود العسكري الأمريكي الذي تعتبره مصدر التهديد المباشر لأمنها القومي. وهذا التحول يحمل أبعاداً تتجاوز الميدان العسكري، ليؤسس لمرحلة جديدة في إدارة الصراع الإقليمي.

إن عملية اغتيال القائد الشهيد السيد علي الخامنئي وما تلاها من هجمات على الأراضي الإيرانية انطلقت أو حظيت بإسناد عملياتي عبر القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة. وانطلاقاً من هذه الرؤية، تعتبر طهران أن استهداف تلك القواعد ليس توسيعاً للحرب ولا اعتداءً على دول هذه المنطقة، بل رداً مباشراً على المنصات العسكرية التي ترى أنها شاركت في تنفيذ العدوان. ومن هذا المنطلق، فإنها تؤكد أن لا مبرر لتحميل الجمهورية الإسلامية مسؤولية قصف تلك القواعد، ما دامت هي المصدر الذي انطلقت منه العمليات العسكرية ضدها.

من الجغرافيا إلى الوظيفة

في الفلسفة التقليدية للحرب، كانت الأرض تُستهدف لأنها أرض العدو. أما في المقاربة الإيرانية، فإن الاستهداف أصبح مرتبطاً بوظيفة المكان لا بهويته الوطنية.

فالقاعدة العسكرية الأمريكية، حتى وإن كانت داخل دولة صديقة أو محايدة، تتحول – وفق هذا المنطق – إلى امتداد مباشر للآلة العسكرية الأمريكية، وبالتالي تصبح هدفاً مشروعاً في إطار الرد على أي هجوم ينطلق منها أو يُدار عبرها.

إنها نقلة من "سيادة الجغرافيا" إلى "سيادة الوظيفة العسكرية".

وهذا يفسر تركيز البيانات الإيرانية على تسمية القواعد الأمريكية ومراكز القيادة والسيطرة واللوجستيات، بدلاً من الحديث عن استهداف الدول المضيفة نفسها.

رسالة مزدوجة: تطمين وتحذير

المثير في الخطاب الإيراني أنه جمع بين نقيضين ظاهرياً.

فمن جهة، وجّه رسائل تطمين إلى دول الخليج الفارسي والأردن، مؤكداً أن هذه الدول ليست هدفاً بحد ذاتها، وأن شعوبها ليست طرفاً في الصراع.

ومن جهة أخرى، حمّل هذه الدول مسؤولية قانونية وسياسية إذا سمحت باستخدام أراضيها أو أجوائها في أي عمل عسكري ضد إيران.

وبذلك أصبحت الرسالة الإيرانية تقول عملياً:

أنتم لستم أعداءنا... لكنكم تتحملون مسؤولية ما ينطلق من أراضيكم.

إنها معادلة تحاول إبقاء باب العلاقات السياسية مفتوحاً، مع نقل عبء القرار إلى الحكومات المضيفة.

الردع بوصفه فلسفة لا انتقاماً

تسعى إيران إلى تقديم عملياتها ضمن مفهوم "الرد المتناسب"، أي أن الضربة ليست انتقاماً مفتوحاً، بل وسيلة لإعادة التوازن ومنع تكرار الاعتداء.

فالهدف ليس توسيع الحرب أفقياً لتشمل الدول المجاورة، وإنما رفع كلفة استخدام القواعد الأمريكية إلى مستوى يجعل واشنطن تعيد حساباتها.

ومن هنا تصبح القواعد العسكرية الأمريكية نفسها رهينة القرار الأمريكي؛ فكل عملية تنطلق منها قد تستجلب الرد إليها مباشرة.

وهذه هي جوهر فلسفة الردع: ليس منع الحرب فقط، بل جعل كلفة إشعالها أعلى من مكاسبها.

السيادة بين النص والواقع

تكشف هذه التطورات أيضاً إشكالية أعمق تتعلق بمفهوم السيادة في الشرق الأوسط.

فهل تبقى الدولة صاحبة سيادة كاملة إذا كانت على أرضها قواعد أجنبية تُستخدم في نزاعات إقليمية؟

الإجابة الإيرانية واضحة: عندما تتحول القاعدة الأجنبية إلى منصة للهجوم، فإنها تفقد حيادها وتصبح جزءاً من ساحة المعركة.

وهنا تبرز مفارقة لافتة؛ إذ تجد الدول المضيفة نفسها أمام معادلة صعبة: فهي تريد الحفاظ على شراكاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في أن تتحول أراضيها إلى أهداف عسكرية بسبب تلك الشراكات.

معادلة جديدة للأمن الإقليمي

إن ما يجري لا يقتصر على تبادل الضربات، بل يؤسس لقواعد اشتباك جديدة.

ففي السابق كانت القواعد الأمريكية تمثل عنصر حماية لحلفاء واشنطن، أما اليوم فإن وجودها يجعل هذه الدول أكثر عرضة لمخاطر الصراع إذا استُخدمت في عمليات هجومية.

وبذلك تنتقل القواعد العسكرية من كونها ضمانة أمن إلى مصدر تهديد، وهو تحول استراتيجي قد يدفع العديد من العواصم إلى إعادة تقييم طبيعة العلاقة بين أمنها الوطني واستضافة القوات الأجنبية.

خاتمة

تكشف الاستراتيجية الإيرانية أن الحروب الحديثة لم تعد تُدار بمنطق تدمير المدن أو معاقبة الشعوب، بل بمنطق تعطيل مراكز القوة التي تنتج القرار العسكري. ولذلك يبدو أن طهران تحاول رسم خط فاصل بين الخصومة مع الولايات المتحدة وبين الحفاظ على إمكانية استمرار العلاقات مع دول الجوار.

ويبقى نجاح هذه المعادلة مرهوناً بقدرة تلك الدول على الحفاظ على توازن دقيق بين تحالفاتها الدولية وسيادتها الوطنية. فكلما بقيت القواعد الأجنبية منصات لإدارة الصراع، بقي خطر انتقال الحرب إلى محيطها قائماً. أما إذا استطاعت دول المنطقة أن تمنع تحويل أراضيها إلى منصات للهجوم، فإنها لا تحمي إيران بقدر ما تحمي نفسها أولاً، لأن الجغرافيا في زمن الصواريخ لم تعد تُعاقَب بسبب اسمها، بل بسبب الوظيفة التي تؤديها.

0% ...

آخرالاخبار

حرس الثورة: أمريكا وكيان الاحتلال سيرضخان لواقع منطقة خالية من وجودهما


صنعاء تعلن عن عدوان سعودي كبير على محافظات يمنية وتؤكد أنه لن يمر دون رد


استطلاع رأي "رويترز ايبسوس": 17% فقط من الأميركيين يؤيدون طريقة تعامل ترامب مع تكاليف المعيشة


الخارجية القطرية: أي اتفاق بين واشنطن وطهران لن يكون نهائيا بل سيكون كافيا لبدء التفاوض


المتحدث باسم الخارجية القطرية: نحن بحاجة إلى حل دبلوماسي مستدام يحقق الضمانات الأمنية لكل دول المنطقة


المتحدث باسم الخارجية القطرية: نسعى إلى تسهيل اتفاق بين واشنطن وطهران حتى لو قصير الأمد ليفتح الباب لمفاوضات


حرس الثورة: العدو بعد فشله في المجال العسكري، لجأ إلى حروب هجينة ونفسية واقتصادية وإعلامية


حرس الثورة: القوات المسلحة على أهبة الاستعداد للرد بحزم وبشكل مدمر على أي اعتداء أو خطأ في حسابات العدو


حرس الثورة: على أمريكا والنظام الصهيوني أن يدركا أن عليهما، عاجلًا أم آجلًا، القبول بمنطقة خالية من وجودهما الخبيث والإجرامي، وأنهما لن يتمكنا من الإفلات من هذا المصير


وزير الداخلية الباكستاني لبزشكيان: عازمون على مواصلة تطوير وتعزيز العلاقات والتعاون بين البلدين في مختلف المجالات


الأكثر مشاهدة

نفاد الوقود يهدد مستشفيات غزة بالشلل ويهدد حياة المرضى


تقدم يمني متسارع يربك القوات المدعومة سعودياً في تعز ولحج


ترامب يصعّد ضد إيران و"إسرائيل"تترقّب ساعة المواجهة


اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار