عاجل:

قراءة سياسية وفلسفية في صراع الإرادات والنظام الإقليمي الجديد

الثلاثاء ٠٤ أغسطس ٢٠٢٦
٠٩:٣٨ بتوقيت غرينتش
قراءة سياسية وفلسفية في صراع الإرادات والنظام الإقليمي الجديد بقلم: د. أكرم شمص - لبنان

مقدمة: عندما تصبح الحرب لغةً لإعادة كتابة التاريخ

في التاريخ، هناك حروب تُخاض من أجل أرض، وحروب تُخاض من أجل ثروة، وحروب تُخاض انتقاماً أو دفاعاً عن الحدود. لكن هناك نوعاً آخر من الحروب، هو الأخطر والأعمق أثراً، لا يكون هدفه احتلال مدينة أو إسقاط نظام فحسب، بل إعادة تعريف النظام الذي يحكم العالم بأسره.

إن ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يمكن فهمه من خلال عدسة الصواريخ والطائرات وحدها، ولا من خلال عدد الغارات أو حجم الدمار أو خرائط السيطرة العسكرية. فهذه كلها مظاهر سطحية لمعركة أعمق تدور في طبقات السياسة والاستراتيجية والفلسفة. إنها معركة على سؤال واحد: من يملك حق كتابة خرائط الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين؟

لقد اعتادت الولايات المتحدة، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، أن تتصرف بوصفها القوة الوحيدة القادرة على رسم حدود النفوذ، وتحديد من يحكم ومن يسقط، ومن يُكافأ ومن يُعاقب. وكانت الحروب التي خاضتها، من العراق إلى أفغانستان، ومن البلقان إلى ليبيا، تعبيراً عن هذه الفلسفة: فلسفة القطب الواحد الذي يحتكر تعريف النظام الدولي.

غير أن العالم تغيّر. لم تعد واشنطن تواجه دولاً ضعيفة معزولة، بل محوراً يمتد من آسيا إلى البحر المتوسط، وقوى دولية كبرى ترى أن استمرار الهيمنة الأمريكية يعني استمرار تراجعها هي. ومن هنا، لم تعد الحرب على إيران حرباً على البرنامج النووي فقط، كما لم تكن الحرب في أوكرانيا حرباً على حدود دولة أوروبية فحسب، بل أصبح الصراع يدور حول سؤال أكبر: هل يبقى العالم خاضعاً لمركز واحد، أم يدخل مرحلة التوازنات الجديدة؟

ولهذا السبب، فإن من يظن أن الحرب الحالية بدأت مع أول صاروخ، أو أنها ستنتهي مع آخر صاروخ، يقرأ الأحداث بعين العسكري، لا بعين الفيلسوف السياسي. فالحروب الكبرى لا تبدأ يوم تُطلق الرصاصة الأولى، بل يوم تتغير موازين القوى التي تجعل الرصاصة ممكنة. وهي لا تنتهي عندما يصمت السلاح، بل عندما يعترف الجميع بأن ميزان القوة تغيّر.

إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة تاريخية تشبه إلى حد بعيد اللحظات التي أعقبت الحربين العالميتين، حين لم تكن المعارك مجرد مواجهات بين جيوش، بل كانت مفاوضات دامية حول شكل العالم الجديد. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من سينتصر عسكرياً؟ بل: أي نظام إقليمي ودولي سيولد من رحم هذه الحرب؟

هذا هو السؤال الذي يجعل من الخليج الفارسي، ومضيق هرمز، وباب المندب، والبحر الأحمر، ولبنان، والعراق، وسوريا، وفلسطين، حلقات في سلسلة واحدة، لا أزمات منفصلة. فما يبدو اليوم صراعاً على منشأة نووية، أو على سفينة تجارية، أو على قاعدة عسكرية، قد يكون في الحقيقة جزءاً من معركة على مستقبل النظام العالمي نفسه.

ولعل المفارقة الكبرى أن القوى التي تدخل الحرب وهي تعتقد أنها تتحكم بمسارها، تكتشف بعد أشهر أو سنوات أن الحرب أصبحت هي التي تتحكم بها. فالتاريخ مليء بإمبراطوريات أشعلت ناراً صغيرة ظناً منها أنها ستنير طريقها، فإذا بها تتحول إلى حريق يلتهم خرائطها ونفوذها معاً.

ومن هنا، فإن قراءة هذه الحرب لا تحتاج إلى محلل عسكري بقدر ما تحتاج إلى قراءة فلسفية ترى ما وراء الدخان، وتدرك أن الطائرات لا تقصف المدن فقط، بل تقصف الأفكار القديمة، وأن الصواريخ لا تسقط على المنشآت وحدها، بل قد تسقط معها معادلات سياسية حكمت العالم لعقود.

إننا، بكل بساطة، أمام لحظة انتقال تاريخي، قد لا تُحسم في أسبوع أو شهر، وربما لا في سنة، لكنها ستحدد شكل الشرق الأوسط لعقود مقبلة، وستجيب عن سؤال ستدرسه الأجيال القادمة: من الذي كتب خرائط الشرق الأوسط الجديد؟

الفصل الأول

الحرب التي بدأت قبل أن تُطلق الرصاصة الأولى

يظن كثيرون أن الحرب تبدأ عندما تقلع الطائرات، أو عندما تنطلق الصواريخ، أو عندما تعلن الحكومات حالة الطوارئ. لكن هذه ليست سوى اللحظة التي يصبح فيها الصراع مرئياً. أما الحرب الحقيقية، فهي تبدأ قبل ذلك بسنوات، حين تتغير موازين القوى، وتتصادم المشاريع، ويصبح التعايش بين رؤيتين متناقضتين للعالم أمراً مستحيلاً.

وهذا تماماً ما حدث في الشرق الأوسط.

فالمنطقة لم تصل إلى هذه المواجهة بسبب حادثة عسكرية عابرة، ولا بسبب ملف نووي معزول، بل لأن مشروعين كبيرين وصلا إلى نقطة لم يعد ممكناً أن يتقدما معاً.

المشروع الأول تقوده الولايات المتحدة، ويقوم على تثبيت شرق أوسط جديد تكون إسرائيل فيه المركز الأمني والعسكري والاقتصادي، وتندمج فيه الدول العربية عبر اتفاقيات أبراهام، بحيث تتحول العلاقة مع تل أبيب من حالة استثنائية إلى قاعدة دائمة. وفي هذه الرؤية، يصبح الخليج الفارسي شريكاً استراتيجياً لإسرائيل، وتُربط منظومات الدفاع الجوي، والاقتصاد، والطاقة، والتكنولوجيا، في شبكة واحدة تقودها واشنطن.

لكن هذا المشروع كان يصطدم دائماً بعقبة اسمها إيران.

فالجمهورية الإسلامية لا تعارض مجرد تطبيع العلاقات مع "إسرائيل"، بل تعارض الفلسفة التي يقوم عليها المشروع بأكمله، لأنها ترى فيه محاولة لإعادة إنتاج الهيمنة الأمريكية على المنطقة، وتحويل "إسرائيل" إلى القوة المركزية التي تُدار من خلالها ملفات الأمن والسياسة والاقتصاد.

ومن هنا، لم يكن الخلاف على أجهزة الطرد المركزي فقط، ولا على نسبة تخصيب اليورانيوم، بل على سؤال أعمق: من يملك حق رسم التوازنات في الشرق الأوسط؟

لقد كانت إيران تدرك أن أي تراجع كبير في هذا الملف لن يتوقف عند حدود النووي، بل سيفتح الباب أمام مطالب تتعلق بالصواريخ الباليستية، والقدرات الدفاعية، ودورها الإقليمي، وعلاقاتها بقوى المقاومة، وحتى بطبيعة نظامها السياسي.

وفي المقابل، كانت واشنطن تدرك أن بقاء إيران قوة إقليمية مستقلة يعني أن مشروع الشرق الأوسط الجديد سيظل ناقصاً.

وهكذا، بدأت الحرب السياسية قبل أن تبدأ الحرب العسكرية، وبدأ الصراع على الخرائط قبل أن يبدأ الصراع على الميدان.

0% ...

آخرالاخبار

حرس الثورة: إسقاط طائرة مسيّرة من طراز "MQ-1" في أجواء جزيرة قشم


ابراهيم عزيزي: سنستخدم جميع قدراتنا الهجومية والدفاعية دون أي تحفظ وسنجعل العدو يندم


تداعيات نتائج الانتخابات الأمريكية على الداخل الإسرائيلي


صناديق الاقتراع في أميركا تؤدب ترامب


وزارة الصحة اليمنية: استشهاد 30 مواطنا وإصابة 8 آخرين في حصيلة غير نهائية لجريمة قصف طيران السعودي سوق الحضارة في مديرية الوازعية بتعز


مجلس الشيوخ فی باراغوای يرفض طلب الرئيس سانتياغو بينيا منحه مهلة 72 ساعة في إطار إجراءات عزله من منصبه


مصدر عسكري لوكالة سبأ: ما نشره الإعلام الحربي جزء يسير من انتصارات القوات المسلحة اليمنية التي تحققت خلال الأيام الماضية


اليمن يواجه التصعيد السعودي.. تحركات عسكرية وحسابات سياسية معقدة


المكتب السياسي لأنصار الله: نؤكد أن تصعيد النظام السعودي باستهداف الشعب اليمني سيواجه بردود موجعة


المكتب السياسي لأنصار الله: ما يسمى بالمجتمع الدولي غدا عونا للقتلة والمجرمين وصوتا للجلاد على حساب الضحية


الأكثر مشاهدة

القناة 13 "الإسرائيلية": هزيمة تاريخية لترامب في انتخابات التجديد النصفي وتداعيات خطيرة على "إسرائيل"


مصادر إعلامية: صفقة ترامب مع روسيا بشأن وقود الديزل تتوقف بسبب انخفاض مخزونات الوقود الأمريكية إلى أدنى مستوى لها منذ 20 عامًا


اعلام ألماني: العثور على وزير الاقتصاد بافاريا أيفانغر ميتا في أحد فنادق برلين


مصادر لبنانية: غارة لطيران العدو الإسرائيلي تستهدف المنطقة الواقعة بين بلدتي مركبا وطلوسة في جنوب لبنان


عراقجي يؤكد على تعزيز العلاقات بين إيران وبولندا


أكسيوس: زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز يعلن ترشحه لرئاسة المجلس في رسالة وجهها إلى زملائه


وكالة أنباء كوريا الشمالية: تجربة إطلاق ناجحة لمنظومة صواريخ متطورة للدفاع الجوي


الصحة اليمنية: استشهاد 7 مدنيين بينهم طفلان وإصابة 6 أطفال بجراح من جراء استهداف الطائرات السعودية منزلا غربي تعز


بقائي يرد على تصريحات وزير الخارجية الألماني


مصادر فلسطينية: تجدد المواجهات في بلدة "سلواد" شمال شرق رام الله، والاحتلال يُطلق قنابل الغاز


زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي شاك شومر: الحرب على إيران يجب أن تنتهي وسنحاصر ترمب تشريعيا إذا لم يمتثل لإرادة الشعب