عاجل:

عندما تتقدم الأخلاق على السياسة في الحروب!

الأحد ٠٩ أغسطس ٢٠٢٦
٠٨:١٧ بتوقيت غرينتش
عندما تتقدم الأخلاق على السياسة في الحروب! بقلم د. أحمد موسى حوماني ..كاتب وباحث لبناني

عندما فتح النبي محمد (صلى الله عليه وآله) مكة المكرمة أمر كل قادة ألوية جيشه بعدم سفك الدماء، وقال: “اليوم يوم المرحمة”، وأعطى الأمان لكل أهل مكة بقوله أيضًا: “من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل بيته فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن”.

وعندما اجتمع الناس ليعرفوا ماذا سيفعل بهم قال لهم: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.

كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد عانى من ظلم واضطهاد زعماء مكة لثلاث عشرة سنة، وبعدها جهزوا الجيوش وحشدوا القبائل وهاجموه في المدينة في بدر وأحد والخندق، ومع ذلك كله تعامل معهم بالرحمة واللين، لأن الدين الذي جاء به دين الرحمة والأخلاق، وهو يمثل قمة هذه الصفات ويكفي قوله تعالى: “وإنك لعلى خلق عظيم”.

وبعد ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام وقف حفيده الشهيد السيد حسن نصر الله تقريبًا الموقف نفسه عند تحرير الجنوب عام ألفين.

فبينما كان العدو الصهيوني ينتظر الفتنة والقتل لكل من تعامل معه من أهل الشريط الحدودي – وهم قد أذاقوا الجنوبيين أشد أنواع الاضطهاد والتعذيب والقتل – وقف السيد نصر الله ليعلن أن اليوم يوم المرحمة، ومنع التعرض لأي شخص مهما كان ذنبه، ووضع الأمر في عهدة الدولة، وهو ذكر أكثر من مرة أنه: “لم تحصل ضربة كف أثناء التحرير”.

في إيران نجد أن الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي وبرغم امتلاك إيران الدورة النووية الكاملة لإنتاج قنبلة نووية، فإنه لم يأذن بذلك، لأنها قنبلة دمار وإفناء للبشرية.

هذه أمثلة عن كيفية إدارة الحروب والصراعات وموقع الأخلاق في المنظومة الإسلامية حتى أثناء أصعب فترات الصراع مع الآخر.

وبالرغم من القدرة على الانتقام من الآخر إلا أن النظرة الدينية لهذا الأمر حاكمة، وهي أن الأخلاق والسياسة صنوان يسيران إلى جانب بعضهما البعض.

ويبدو أن ما قام به الشهيد السيد حسن نصر الله والشهيد السيد علي الخامنئي يأتي تحت ما يسمى بالنظرية المثالية التي تجعل الأخلاق في المرتبة الأولى، وأن الأخلاق حاكمة على السياسة.

لكن في المقابل كيف هي صورة الأخلاق والسياسة عند الساسة الأمريكيين والصهاينة؟

لقد ابتعد الغرب عن الأخلاق السياسية واتبع النظرية الواقعية التي تفصل السياسة عن الأخلاق.

فالحاكم والسياسي في الغرب يدير الشؤون السياسية والاجتماعية بعيدًا عن المبادئ الأخلاقية، لكنه في نفس الوقت يُظهر الالتزام بالأخلاق أمام الناس والجماهير.

وإذا أخذنا السياسة الأمريكية كمثال كونها هي التي تدبر شؤون العالم في هذا الزمن، فنجد أمثلة كثيرة على ضربها الأخلاق والقيم عرض الحائط عند تعارضها مع مصالحها، لذا مثلًا أسقطت حكومة مصدق في إيران في العام ١٩٥٣ لأنه وقف ضد مشاريع الشركات النفطية الكبرى، مع أنه منتخب بشكل ديمقراطي.

كذلك دعمت عددًا من الدكتاتوريات في العالم: بينوشيه في تشيلي، سوموزا في نيكاراغوا، الشاه بهلوي في إيران، والمثال الأقرب غزو العراق عام ٢٠٠٣ وقتل ما يزيد عن ربع مليون عراقي، عدا عن الفظائع اللاأخلاقية التي ارتكبتها قواتها من قتل واغتصاب وتعذيب، وأخيرًا عدوانها على إيران تحت حجج واهية لا أساس لها من الصحة، فاغتالت وقتلت ودمرت وحاصرت غير آبهة بأي قيم وقوانين دولية وأخلاقيات تخضع لها الحروب.

وها هو ترامب يُهدد بشن عمليات عسكرية لا مثيل لها منذ الحرب العالمية الثانية

وبينما تقتل أمريكا الناس في البيوت والساحات والمدارس والمستشفيات، ترد إيران على القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة مع قدرتها على قصف الأماكن المدنية وإنزال الخسائر البشرية الكبيرة بها، لكن مدرسة الإسلام تقوم على الرحمة، وأن الأخلاق تتقدم على السياسة حتى في أحلك الظروف وأصعبها.

وكذلك ما فعله الكيان الصهيوني في غزة جرائم لم يشهد التاريخ الحديث مثيلًا لها، فقد قتل ما يزيد عن سبعين ألفًا من الأطفال والنساء والعجز، وجرح ما يقارب من مئتي ألف، عدا عن تدمير أحياء وقرى بأكملها، ودمر المستشفيات، وآبار المياه، والمدارس والجامعات، وشدد حصار الجوع والعطش على مليوني مواطن فلسطيني، إضافة إلى آلاف الشهداء والجرحى جراء عدوانه على لبنان، وما زال يدمر القرى في لبنان، ويهجر أهلها، ويهدد بالمزيد من القتل والإجرام في غزة ولبنان وإيران.

ما تمر به المقاومة وشعبها في لبنان من عدوان عسكري وأمني وسياسي وإعلامي وضغط نفسي، لن يجرها إلى المعاملة بالمثل، فبوصلتها ستبقى تُشير إلى العدو الصهيوني، وهي ستدافع عن أهلها ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا. وأمام كل هجمات الداخل عليها وعلى بيئتها فهي ستبقى وفية لشعاراتها ومبادئها أن السياسة هي لخدمة الناس وليس للانتقام والتشفي، لأن مدرستها لا تقابل الإساءة بالإساءة، والظلم بالظلم، وها هي إيران بالرغم من كل ما تعرضت وتتعرض له ما زالت متمسكة بأخلاقياتها ومبادئها الإنسانية الحقة.

ومهما تكالب الأعداء عليهما فلن يحيدا عن رسالة نبي الإسلام في الرحمة، وسمو الأخلاق، ولن تبرر الغاية الوسيلة، مهما اشتدت الصعاب.

قد لا يعجب هذا المسار الأخلاقي كثيرًا من جماهير إيران والمقاومة الذين يطالبون بالابتعاد عن المثالية الأخلاقية أثناء الحروب، واعتماد الواقعية بمعنى الرد بالمثل على الاعتداءات الأمريكية والصهيونية، لكن أولئك ليسوا قدوة لإيران والمقاومة، فهم قدوة سوء، أما قدوة المقاومة وإيران فهو نهج رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ختامًا فإنّ أفضل تعبير عن السياسة الأمريكية هو ما قاله وزير الخارجية الأمريكية الأسبق هنري كيسينجر: “ليس لأمريكا أصدقاء دائمون أو أعداء دائمون، بل مصالح دائمة”.

0% ...

آخرالاخبار

مصادر فلسطينية: جريحان نتيجة قصف طيران العدو منزلا في حي التفاح شرق مدينة غزة


الناطق باسم حركة حماس، حازم قاسم: ادعاءات الاحتلال بخرق عناصر من حماس اتفاق وقف إطلاق النار هي باطلة ولا أساس لها، وتهدف لايجاد تبريرات لانتهاكات الاحتلال وتصعيد عدوانه


اللواء إيزدي: إيران تعزز قدراتها في مجالات الصواريخ والطائرات المسيرة والأنظمة السيبرانية والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي


نائب قائد حرس الثورة اللواء إيزدي: حضور الشعب في الساحات يُحبط مخططات العدو


حرس الثورة: أمريكا وكيان الاحتلال سيرضخان لواقع منطقة خالية من وجودهما


صنعاء تعلن عن عدوان سعودي كبير على محافظات يمنية وتؤكد أنه لن يمر دون رد


استطلاع رأي "رويترز ايبسوس": 17% فقط من الأميركيين يؤيدون طريقة تعامل ترامب مع تكاليف المعيشة


الخارجية القطرية: أي اتفاق بين واشنطن وطهران لن يكون نهائيا بل سيكون كافيا لبدء التفاوض


المتحدث باسم الخارجية القطرية: نحن بحاجة إلى حل دبلوماسي مستدام يحقق الضمانات الأمنية لكل دول المنطقة


المتحدث باسم الخارجية القطرية: نسعى إلى تسهيل اتفاق بين واشنطن وطهران حتى لو قصير الأمد ليفتح الباب لمفاوضات


الأكثر مشاهدة

نفاد الوقود يهدد مستشفيات غزة بالشلل ويهدد حياة المرضى


تقدم يمني متسارع يربك القوات المدعومة سعودياً في تعز ولحج


ترامب يصعّد ضد إيران و"إسرائيل"تترقّب ساعة المواجهة


اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار