عاجل:

إيران بين قوة الردع وصلابة الموقف الدبلوماسي

الإثنين ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
٠٩:١٤ بتوقيت غرينتش
إيران بين قوة الردع وصلابة الموقف الدبلوماسي فراس فرحات | كاتب وباحث سياسي

في اللحظة التي تترقّب فيها المنطقة ما ستعلنه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من اجراءات حظر جديدة على إيران، تبدو طهران أمام اختبار سياسي وأمني بالغ الحساسية، لا يتعلق فقط بكيفية التعامل مع الضغوط الأميركية، بل بكيفية إدارة مرحلة كاملة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المسارات الدبلوماسية والاقتصادية.

المشهد الإيراني لا يوحي بوجود قرار واحد يُختصر بعنوان «التصعيد» أو «التهدئة»، بل يكشف عن مقاربة متعددة المستويات، تتوزع فيها الرسائل بين فتح نافذة للتفاوض من جهة، والتلويح بأن أي ضغط إضافي لن يمر من دون رد من جهة أخرى. وبين المسارين، تحاول طهران تثبيت معادلة تقول إن الدبلوماسية ليست تعبيراً عن ضعف، كما أن الردع لا يعني بالضرورة إغلاق أبواب التفاوض.

وتدرك واشنطن أن الضغط الاقتصادي على إيران لا يعمل في فراغ، وأن أي خطوة إضافية قد تتحول من أداة ضغط إلى عنصر جديد في معادلة التصعيد الإقليمي.

في هذا السياق، تبدو دعوة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى إنهاء الحرب لافتة في توقيتها ومضمونها. فبزشكيان لم يقدم الدعوة إلى التسوية باعتبارها تراجعاً أو استسلاماً، بل وضعها في إطار مختلف تماماً، عندما أكد أن إيران تمتلك ما يكفي من القوة والكرامة للذهاب إلى تسوية، معتبراً أن العالم يعترف بانتصار بلاده.

أما وزير الخارجية عباس عراقجي، فيقدم الوجه الآخر للسياسة الإيرانية. فالإبقاء على قنوات الدبلوماسية مفتوحة يعني أن طهران لا تريد أن تتحول العقوبات والتهديدات إلى مسار وحيد يحكم العلاقة مع واشنطن.

لكن اللافت في خطاب عراقجي هو التشديد على ضرورة أن تتحدث الولايات المتحدة مع إيران «باحترام». وهذه العبارة ليست تفصيلاً دبلوماسياً عابراً، بل تختصر جوهر الموقف الإيراني: التفاوض ممكن، لكن تحت سقف الندية، ومن دون أن يُطلب من طهران الدخول إلى طاولة المفاوضات وهي تحت ضغط الإملاءات.

وبمعنى آخر، تحاول إيران الفصل بين التفاوض والابتزاز. فهي قد تقبل بالحوار عندما ترى فيه فرصة لتسوية الملفات العالقة، لكنها ترفض أن يتحول الحوار إلى أداة لفرض شروط أميركية مسبقة.

في المقابل، جاء موقف محسن رضائي أكثر تشدداً، عندما لوّح برد «زلزالي» إذا أقدم ترمب على خطوات جديدة، محذراً دول الجوار من التعاون مع الضغوط الاقتصادية الأميركية على طهران.

هذا الموقف لا يمكن فصله عن محاولة إيران رسم حدود واضحة أمام واشنطن وحلفائها. فطهران تريد أن تقول إن العقوبات ليست مجرد إجراءات مالية وتقنية، وإن محاولة خنق الاقتصاد الإيراني قد تكون لها تداعيات تتجاوز حدود الملف الاقتصادي.

والأهم أن تحذير دول الجوار يحمل رسالة إقليمية واضحة: إيران تريد منع تحويل البيئة المحيطة بها إلى مساحة تستخدمها واشنطن لتعظيم أثر العقوبات أو ممارسة ضغط إضافي عليها.

وبذلك يصبح التلويح بالتصعيد جزءاً من استراتيجية الردع، لا بالضرورة إعلاناً عن قرار فوري بالذهاب إلى مواجهة شاملة.

إيران قد تكون ببساطة تدير مسارين متوازيين: مسار سياسي يفتح الباب أمام التسوية، ومسار ردعي يرفع كلفة أي محاولة لفرض التسوية بالقوة.

وهذه المعادلة ليست جديدة في إدارة الأزمات الكبرى. فالدبلوماسية تحتاج إلى أوراق قوة، وأوراق القوة تحتاج بدورها إلى غطاء سياسي يمنع تحولها إلى مواجهة مفتوحة.

السؤال الأهم يبقى: ماذا تستطيع العقوبات الأميركية الجديدة أن تحقق؟

إذا كانت واشنطن تراهن على دفع إيران إلى تقديم تنازلات أكبر عبر الضغط الاقتصادي، فإن التجارب السابقة أظهرت أن العقوبات قد تؤثر في الاقتصاد الإيراني، لكنها لا تضمن وحدها تغيير الحسابات الاستراتيجية لطهران.

بل إن الإفراط في استخدام العقوبات قد يؤدي أحياناً إلى نتيجة معاكسة، عبر دفع إيران إلى إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية والاقتصادية، وتعزيز علاقاتها مع القوى الدولية المنافسة للولايات المتحدة.

كما أن العقوبات، مهما بلغت شدتها، لا تلغي حقيقة أن إيران دولة ذات ثقل إقليمي، وأن أي محاولة لخنقها اقتصادياً ستبقى مرتبطة بتداعياتها على أسواق الطاقة، وأمن الملاحة، وحسابات دول الخليج الفارسي، ومسارات الصراع في المنطقة.

المعادلة التي تتشكل اليوم تبدو أكثر تعقيداً من مجرد ثنائية «تهدئة أو تصعيد». إيران تريد على الأرجح إبقاء الباب مفتوحاً أمام الحل السياسي، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى منع واشنطن من الاعتقاد بأن الضغوط قادرة على فرض شروطها.

وبينما تستعد إدارة ترمب لفرض مزيد من العقوبات، تحاول طهران إرسال رسالة واضحة: الدبلوماسية ممكنة، لكن من موقع الندية، والتسوية ممكنة، لكن ليس على حساب الكرامة والسيادة، والتهدئة ممكنة، لكن لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها عجزاً عن الرد.

وفي النهاية، قد لا تكون طهران أمام خيارين متناقضين بين التهدئة والتصعيد، بقدر ما تحاول الجمع بينهما في معادلة واحدة: تهدئة عندما تكون الدبلوماسية قادرة على حماية المصالح، وتصعيد عندما يصبح الضغط محاولة لفرض الإرادة بالقوة. والرسالة الأوضح التي تخرج من طهران اليوم هي أن اليد التي تمتد للحوار ستبقى في الوقت نفسه، ممسكة بأوراق القوة.

0% ...

آخرالاخبار

الناطق باسم حركة حماس، حازم قاسم: ادعاءات الاحتلال بخرق عناصر من حماس اتفاق وقف إطلاق النار هي باطلة ولا أساس لها، وتهدف لايجاد تبريرات لانتهاكات الاحتلال وتصعيد عدوانه


اللواء إيزدي: إيران تعزز قدراتها في مجالات الصواريخ والطائرات المسيرة والأنظمة السيبرانية والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي


نائب قائد حرس الثورة اللواء إيزدي: حضور الشعب في الساحات يُحبط مخططات العدو


حرس الثورة: أمريكا وكيان الاحتلال سيرضخان لواقع منطقة خالية من وجودهما


صنعاء تعلن عن عدوان سعودي كبير على محافظات يمنية وتؤكد أنه لن يمر دون رد


استطلاع رأي "رويترز ايبسوس": 17% فقط من الأميركيين يؤيدون طريقة تعامل ترامب مع تكاليف المعيشة


الخارجية القطرية: أي اتفاق بين واشنطن وطهران لن يكون نهائيا بل سيكون كافيا لبدء التفاوض


المتحدث باسم الخارجية القطرية: نحن بحاجة إلى حل دبلوماسي مستدام يحقق الضمانات الأمنية لكل دول المنطقة


المتحدث باسم الخارجية القطرية: نسعى إلى تسهيل اتفاق بين واشنطن وطهران حتى لو قصير الأمد ليفتح الباب لمفاوضات


حرس الثورة: العدو بعد فشله في المجال العسكري، لجأ إلى حروب هجينة ونفسية واقتصادية وإعلامية


الأكثر مشاهدة

نفاد الوقود يهدد مستشفيات غزة بالشلل ويهدد حياة المرضى


تقدم يمني متسارع يربك القوات المدعومة سعودياً في تعز ولحج


ترامب يصعّد ضد إيران و"إسرائيل"تترقّب ساعة المواجهة


اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار