حين يحاصرون إيران… تردّ بالمختبرات

الأحد ٣٠ أغسطس ٢٠٢٦
١١:٢٢ بتوقيت غرينتش
حين يحاصرون إيران… تردّ بالمختبرات في عالم تُقاس فيه قوة الدول اليوم ليس فقط بحجم جيوشها واقتصاداتها، بل بما تمتلكه من معرفة وقدرة على إنتاج التكنولوجيا، تبدو قصة التقدم العلمي الإيراني واحدة من أكثر التجارب إثارة للجدل والتأمل.

ففي أبريل 2026، حصل دواء "زاندوريا (Zandoriah)" ، الذي طورته شركة "CinnaGen"، على ترخيص تسويق مركزي في الاتحاد الأوروبي لعلاج هشاشة العظام. وتؤكد وكالة الأدوية الأوروبية أن الدواء يحتوي على مادة "تيريباراتيد"، وهو دواء حيوي مماثل للدواء المرجعي "Forsteo"، وأن تقييمات الجودة والسلامة والفعالية استوفت المتطلبات الأوروبية.

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد خبر في قطاع الصناعات الدوائية، لكنه في الواقع يحمل دلالة أكبر بكثير: منتج طورته شركة مرتبطة بصناعة التكنولوجيا الحيوية الإيرانية استطاع اجتياز واحد من أكثر الأطر التنظيمية الدوائية صرامة في العالم.


والأهم أن هذه الخطوة لم تأت من فراغ. فإن العلم في زمن العقوبات منذ أكثر من أربعة عقود، واجهت إيران منظومة واسعة ومتغيرة من العقوبات والقيود الاقتصادية والتكنولوجية الأمريكية. ومع تعقّد البيئة السياسية واشتداد الضغوط الدولية، أصبحت قطاعات عديدة من الاقتصاد الإيراني تعمل في ظروف أكثر صعوبة، خصوصا تلك التي تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة والمعدات والمواد المستوردة. لكن المفارقة أن هذه القيود دفعت جزءا من الصناعة والبحث العلمي الإيراني إلى البحث عن بدائل محلية.

فبدل أن يكون السؤال دائما: من أين نستورد هذه التكنولوجيا؟"، بدأ سؤال آخر يفرض نفسه: "كيف ننتجها بأنفسنا؟" ومن هنا تشكلت، على مدى سنوات، منظومة من الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات القائمة على المعرفة، أخذت تتوسع في مجالات مختلفة، من الصناعات الدوائية والتكنولوجيا الحيوية إلى علوم المواد والنانوتكنولوجيا والفضاء والطاقة والهندسة والذكاء الاصطناعي.

من الدواء إلى التكنولوجيا الحيوية

يمثل قطاع التكنولوجيا الحيوية أحد أبرز المجالات التي تكشف التحول في الصناعة العلمية الإيرانية. فالدواء الحديث لا يعني مجرد تصنيع حبة دواء داخل مصنع، بل يحتاج إلى سلسلة طويلة تبدأ بالبحث والتطوير، مرورا بالاختبارات والتحقق من الجودة، وصولا إلى الأنظمة التنظيمية الصارمة التي تفرضها الأسواق العالمية. وفي حالة "زاندوريا"، لم تكن المسألة مجرد إعلان عن منتج إيراني جديد، فقد خضع الدواء لتقييم أوروبي انتهى إلى اعتبار بياناته كافية لإثبات تشابهه الكبير مع الدواء المرجعي من حيث البنية والنقاء والنشاط البيولوجي، مع قابلية استخدامه في الاستطبابات المعتمدة. وهنا تكمن أهمية الإنجاز.

النانوتكنولوجيا.. صناعة المعرفة

لا تتوقف قصة التطور العلمي الإيراني عند صناعة الأدوية. فإيران طورت خلال السنوات الماضية حضورا ملحوظًا في أبحاث "النانوتكنولوجيا"، وهو مجال يرتبط بتطبيقات واسعة في الطب والطاقة والإلكترونيات والمواد والصناعة. والأهمية الحقيقية للنانوتكنولوجيا ليست في عدد الأوراق العلمية المنشورة فقط، وإنما في القدرة على تحويل المعرفة إلى منتجات وتطبيقات صناعية. وهذه النقلة من "إنتاج البحث" إلى "إنتاج التكنولوجيا" هي واحدة من أصعب مراحل بناء الاقتصاد المعرفي.

الفضاء والهندسة والعلوم المتقدمة

وفي مجال الفضاء، عملت المؤسسات الإيرانية على تطوير أقمار صناعية وأنظمة إطلاق ومراكز بحثية، في محاولة لبناء قدرات محلية في مجال يحتاج إلى مستوى مرتفع من المعرفة في الهندسة والاتصالات والمواد وأنظمة التحكم. كما امتدت الخبرة الهندسية إلى مجالات أخرى، من الطاقة والصناعات الثقيلة إلى الإلكترونيات والاتصالات. قد يختلف المراقبون حول السياسات الإيرانية أو دوافع بعض المشاريع، لكن من الصعب تجاهل حقيقة أن بناء مثل هذه القدرات يحتاج إلى "قاعدة بشرية علمية ومؤسسات بحثية ومهندسين ومتخصصين".

الحصار لم يلغ الحاجة إلى العلم

ربما تكمن إحدى أهم المفارقات في التجربة الإيرانية في أن الحظر، رغم تكلفته الاقتصادية وآثاره الواسعة، لم تؤد إلى توقف النشاط العلمي. بل دفع الدولة والقطاع الصناعي في بعض المجالات إلى تعزيز فكرة "الاكتفاء التكنولوجي" وتقليل الاعتماد على الخارج. وهذا لا يعني أن الحظر لا يؤثر، على العكس، فالقيود على التمويل والوصول إلى المعدات والمواد والتكنولوجيا والأسواق الدولية يمكن أن تجعل البحث العلمي أكثر كلفة وأبطأ، وتخلق عقبات أمام التعاون العلمي الدولي. لكن التجربة الإيرانية تشير إلى أن "الحظر يستطيع أن يرفع كلفة التقدم، لكنه لا يستطيع بالضرورة إلغاء الرغبة في التقدم."

الحرب لا توقف المختبر
ومع تصاعد التوترات العسكرية والسياسية في المنطقة، وصولا إلى المواجهات بين إيران وإسرائيل والضغوط الأمريكية، يصبح السؤال أكثر إلحاحا: "كيف يمكن لدولة تواجه الحرب والحظر والضغوط الاقتصادية أن تستمر في الاستثمار في العلم؟" الإجابة ليست بسيطة. فالعلم يحتاج إلى الاستقرار والتمويل والتعاون الدولي، وهذه كلها تتأثر بالحروب والأزمات. لكن في المقابل، تتحول المعرفة في أوقات الضغط إلى عنصر من عناصر القوة الوطنية. فالطبيب الذي يطور دواء محليا، والمهندس الذي يصمم نظاما معقدا، والباحث الذي يطور مادة جديدة، والجامعة التي تخرّج آلاف المتخصصين، جميعهم يساهمون في بناء قدرة الدولة على تقليل اعتمادها على الخارج.

الإنجاز الحقيقي أبعد من "زاندوريا"
لذلك، فإن قيمة "زاندوريا" لا تكمن فقط في كونه دواء حصل على موافقة أوروبية. الأهمية الأعمق هي أن شركة من قطاع التكنولوجيا الحيوية الإيراني نجحت في الوصول بمنتجها إلى سوق يخضع لمعايير تنظيمية شديدة الصرامة. وتؤكد وثائق الاتحاد الأوروبي أن "زاندوريا" أصبح دواء حاصلا على ترخيص مركزي، تحت رقم EU/1/26/2031، مع شركةCinnaGenكصاحب الترخيص. وهذا يفتح الباب أمام سؤال أكبر: "هل تستطيع إيران تحويل ما راكمته من خبرات علمية خلال سنوات الحصار إلى اقتصاد معرفي قادر على المنافسة عالميا؟" الجواب لن تحدده الشعارات، بل ستحدده المختبرات، وبراءات الاختراع، والشركات، والجامعات، والمنتجات التي تستطيع أن تدخل الأسواق العالمية.

إيران بين التحديات والفرص
من الخطأ تصوير التجربة العلمية الإيرانية على أنها قصة نجاح مطلقة، كما أنه من الخطأ اختزالها في العقوبات والحرب وحدهما. إيران تواجه تحديات حقيقية: الحاجة إلى مزيد من الاستثمار في البحث والتطوير، توسيع التعاون العلمي الدولي، تحسين البيئة الاقتصادية للشركات القائمة على المعرفة، والحد من هجرة الكفاءات، إضافة إلى ضرورة تحويل المزيد من الإنتاج الأكاديمي إلى منتجات صناعية ذات قيمة مضافة. لكن في المقابل، تمتلك البلاد قاعدة جامعية وبحثية كبيرة، وعددا واسعا من العلماء والمهندسين، وتجربة طويلة في العمل تحت القيود. ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى الإنجازات العلمية باعتبارها مسارا تراكميا لا حدثا منفردا.

من "ممنوع الاستيراد" إلى "نستطيع أن ننتج"

ربما تختصر هذه العبارة جانبا من التحول الذي شهدته بعض قطاعات الصناعة الإيرانية خلال العقود الماضية. ففي البداية كان الهدف في كثير من الحالات هو تعويض ما يصعب استيراده. ثم أصبح الهدف إنتاج البديل المحلي. وبعد ذلك، في بعض المجالات، بدأ الطموح يتجاوز الاكتفاء المحلي إلى محاولة الوصول إلى الأسواق الخارجية. و"زاندوريا" مثال حديث على هذه المرحلة الأخيرة. فأن تنتج دولة دواء داخل حدودها أمر مهم، لكن أن يصل هذا الدواء إلى عملية تقييم وتنظيم أوروبية ويحصل على ترخيص مركزي، فذلك يعني أن المنتج دخل إلى اختبار مختلف تماما: "اختبار المعايير العالمية."

الخلاصة
وسط الحظر والضغوط والحروب، لا تتقدم الدول بالموارد وحدها، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى قوة. وقد لا تكون التجربة الإيرانية نموذجا يمكن نسخه بالكامل في أي دولة، كما أن لها تحدياتها ونقاط ضعفها، لكن أحد دروسها الواضحة هو أن الاستثمار في الإنسان والعلم يمكن أن يتحول، مع مرور الوقت، إلى قدرة استراتيجية. من مختبرات الأدوية إلى التكنولوجيا الحيوية، ومن النانوتكنولوجيا إلى الفضاء والهندسة والذكاء الاصطناعي، تستمر إيران في محاولة بناء قاعدة علمية محلية رغم بيئة سياسية واقتصادية شديدة التعقيد. ولهذا، فإن قصة "زاندوريا" ليست فقط قصة دواء لعلاج هشاشة العظام. إنها، قبل كل شيء، "قصة محاولة دولة محاصرة أن تجعل من المعرفة وسيلة للصمود، ومن المختبر طريقا إلى الاستقلال التكنولوجي."
وفي عالم أصبح فيه العلم أحد أهم مصادر القوة، ربما يكون السؤال الأهم ليس: "ماذا تملك إيران اليوم؟" بل: "إلى أين يمكن أن تصل إذا استطاعت تحويل علمائها ومختبراتها إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية عالمية؟"

* بقلم حیدر زیبرم

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

عراقجي معلقا على الانتخابات الامريكية: لنرى متى سيتمكنون من استيعاب النتائج


وفاة 5 بينهم 3 أطفال بانهيار جرف رملي على خيام نازحين في غزة + صور و فيديو


آيزنكوت يتولى مهمة تشكيل الحكومة ونتنياهو يخسر معركة العودة


متكي: الرد الإيراني الصاروخي سيطال قواعد العدوان خارج المنطقة


متكي للعالم : إيران تفشل الهيمنة الأمريكية وتبدد رهاناتها المتعاقبة


متكي للعالم : على الأمريكيين الخروج من المنطقة وإلا فإننا سنجد وسيلة لتحقيق ذلك


متكي للعالم : ليس لدينا أي مقترحات للأمريكيين، وسنرفع الحصار عن البلاد بأي وسيلة كانت


متكي للعالم : إيران مستعدة لتوجيه ضربات للعدو تجعله يندم إذا ما فكر في خوض حرب جديدة ضدها


متكي للعالم : الجميع يعرف ان اغلاق مضيق هرمز هو بسبب السياسات الاميركية الخاطئة


متكي للعالم : ستكون هنك مفاجآت وستستخدم أسلحة لم يروها ولم نستخدمها من قبل


الأكثر مشاهدة

إيران تقاضي مسؤولي العدوان الأمريكي الإسرائيلي لإنصاف الضحايا


دوي انفجار جديد في جاسك جنوبي البلاد ولم تضح التفاصيل


العراق.. كتائب سيد الشهداء ترفض تصريحات وزير الخارجية فؤاد حسين وتصفها بأنها غير دقيقة


العراق.. كتائب سيد الشهداء: لم نعلن أو نتبن أو نوقع على أي موقف يتعلق بسلاحنا


التلفزيون الإيراني: لا ضربات استهدفت مدن هرمزغان والأصوات قد تكون ناجمة عن إجراءات قواتنا بمضيق هرمز


مصادر فلسطينية: إصابة طفل بنيران الاحتلال الإسرائيلي خلال اقتحام محيط حي كفر سابا بمدينة قلقيلية في الضفة الغربية المحتلة


بحرية حرس الثورة: ناقلتا نفط أوقفتا أنظمة الملاحة وتحديد المواقع وحاولتا عبور مسار غير مصرح به في مضيق هرمز


مصادر فلسطينية: آليات الاحتلال تطلق نيرانها شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة


بحرية حرس الثورة الإسلامية: الناقلتان اصطدمتا بألغام بحرية أثناء محاولتهما العبور وهما تحترقان حالياً


مصادر فلسطينية: غارة من مسيرة إسرائيلية شرق مخيم البريج وسط قطاع غزة


الحرس الثوري: انفجار واشتعال النيران في ناقلتي نفط بمضيق هرمز