عاجل:

التحرير والإنسانية والاحتلال في تعز.. قرى الصراري والرميمة وجبل حبشي ومقبنة نموذجًا

السبت ٠٥ سبتمبر ٢٠٢٦
٠٤:٤٧ بتوقيت غرينتش
التحرير والإنسانية والاحتلال في تعز.. قرى الصراري والرميمة وجبل حبشي ومقبنة نموذجًا بقلم: طوفان الجنيد

تختزل محافظة تعز، في ريفها الممتد من مرتفعات صبر شرقًا إلى مديريات مقبنة وجبل حبشي غربًا، جانبًا جوهريًا من معادلة الصراع اليمني؛ إذ تكشف تجربة هذه المناطق أن الفارق بين التحرير والاحتلال لا تحدده اليافطات والشعارات السياسية، بل يحدده السلوك الميداني، والانضباط العسكري، ومدى احترام الإنسان وحماية المدنيين وصون الحرمات والممتلكات.

وتزداد أهمية تعز بفعل موقعها الجغرافي والاستراتيجي، وامتدادها نحو الساحل الغربي وميناء المخا وباب المندب، بما يجعلها جزءًا من معادلة تتجاوز حدود المحافظة إلى أمن البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية.

ولذلك فإن الصراع على جغرافية تعز يرتبط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بحسابات النفوذ والسيادة وأمن الملاحة في واحد من أهم الممرات البحرية عالميًا.

في الجبهة الشرقية، تبرز قرى الصراري وآل الرميمة بوصفها واحدة من الصفحات البارزة في تاريخ الصراع داخل تعز.

فقد تحولت السيطرة على القرى إلى ممارسات اتخذت طابع العقاب الجماعي، بدءًا من المداهمات واقتحام المنازل وترويع النساء والأطفال والشيوخ، وصولًا إلى سقوط ضحايا والتنكيل بالسكان والأسرى، وإحراق وتفجير المنازل، ونهب الممتلكات والمواشي، والاعتداء على دور العبادة والكتاتيب، واختطاف الأهالي ودفع أسر إلى التهجير القسري.

ولم تتوقف آثار تلك الممارسات عند حدود الضحايا المباشرين، بل امتدت إلى التأثير في النسيج الاجتماعي، ونزوح عدد من سكان القرى، وتحويل الخلاف السياسي والعسكري إلى آثار تطال الإنسان وممتلكاته وذاكرته ومكانه.

وفي الجبهة الغربية، في مقبنة وجبل حبشي والكدحة والوازعية، يظهر نمط مختلف في إدارة المعركة والتمدد الميداني؛ إذ يقوم السلوك العسكري على مواجهة الخصم في الميدان، مع إبقاء القرى والأحياء السكنية خارج دائرة الانتقام، وحماية الأهالي وممتلكاتهم، ومنع النهب والسلب والمداهمات الانتقامية، وصون حرمة البيوت والمزارع.

وهنا تتضح المفارقة الكبرى:

في الشرق، يصبح المدني أكثر عرضة لتداعيات الصراع؛ وفي الغرب، يبقى المدني خارج دائرة الانتقام. في الشرق تتأثر الممتلكات مع السيطرة على الأرض؛ وفي الغرب تُحمى الممتلكات مع تثبيت السيطرة.

وهذه المقارنة ليست مجرد اختلاف في التكتيك العسكري، بل تكشف اختلافًا في مفهوم السيطرة ذاته؛ فالقوة التي تحمي السكان وتؤمّن الطرق وتحافظ على البيوت والمزارع وتتيح للناس البقاء في أرضهم، تقدم نموذجًا للتحرير القائم على الأمن والحماية. أما القوة التي تربط سيطرتها بالترويع والتهجير ومصادرة الممتلكات وهدم البيوت، فإنها تقترب من مفهوم الاحتلال، مهما كانت الشعارات التي ترفعها.

ويأخذ هذا التباين أهمية أكبر عندما يوضع في سياق الموقع الاستراتيجي لغرب تعز، حيث تتصل الجغرافيا بممرات الساحل والمخا وباب المندب. فهذه المنطقة ليست مجرد قرى متناثرة في ريف تعز، بل جزء من مساحة جغرافية ذات قيمة استراتيجية في الصراع اليمني والإقليمي، الأمر الذي يجعل السيطرة عليها مرتبطة بحسابات النفوذ والبحر والممرات التجارية وأمن الملاحة.

ومن هنا يمكن قراءة الصراع على تعز باعتباره صراعًا على الأرض والإنسان والسيادة والموقع الاستراتيجي في آن واحد؛ كما يمكن فهم الاهتمام الإقليمي والدولي بالساحل الغربي وباب المندب ضمن المصالح المرتبطة بحركة التجارة وأمن الممرات البحرية، من دون أن يعني ذلك بذاته إثبات أن كل ممارسة ميدانية نُفذت بتوجيه خارجي مباشر.

لقد أثبتت تجربة تعز أن الاحتلال لا يبدأ بالضرورة برفع علم أجنبي فوق مبنى حكومي، كما أن التحرير لا يتحقق بمجرد السيطرة على موقع أو قرية. المعيار الحقيقي هو الإنسان.

فالتحرير هو أن يدخل المقاتل القرية فيحمي أهلها، ويصون بيوتها، ويحفظ ممتلكاتها، ويؤمّن طرقها، ويمنع الانتقام من سكانها. أما حين يدخل السلاح إلى القرية محمولًا بمنطق الثأر، فتُقتحم البيوت، ويُروّع الأطفال، وتُهدم المنازل، وتُنهب الممتلكات، ويُهجّر السكان، فإن السيطرة تفقد معناها الإنساني، ويتحول التمدد العسكري إلى سلوك احتلالي مهما تبدلت المسميات.

وهكذا تصبح الصراري والرميمة ومقبنة وجبل حبشي أكثر من أسماء على خارطة الحرب؛ إنها نماذج تكشف الفارق بين قوتين في التعامل مع الأرض والإنسان: قوة تجعل حماية المجتمع جزءًا من الانتصار، وقوة تجعل المجتمع نفسه ثمنًا للسيطرة.

إن التحرير الحقيقي لا يُقاس بعدد المواقع التي تم الاستيلاء عليها، بل بعدد البيوت التي بقيت آمنة، والأسر التي بقيت في أرضها، والكرامات التي لم تُمس، والممتلكات التي لم تُنهب.

فالذي يحرر الأرض ويحمي الإنسان يثبت معنى التحرير، أما الذي يسيطر على الأرض باستباحة الإنسان، فلا يستطيع أن يحجب حقيقة سلوكه مهما ارتفعت شعاراته.

0% ...

آخرالاخبار

تداعيات نتائج الانتخابات الأمريكية على الداخل الإسرائيلي


صناديق الاقتراع في أميركا تؤدب ترامب


وزارة الصحة اليمنية: استشهاد 30 مواطنا وإصابة 8 آخرين في حصيلة غير نهائية لجريمة قصف طيران السعودي سوق الحضارة في مديرية الوازعية بتعز


مجلس الشيوخ فی باراغوای يرفض طلب الرئيس سانتياغو بينيا منحه مهلة 72 ساعة في إطار إجراءات عزله من منصبه


مصدر عسكري لوكالة سبأ: ما نشره الإعلام الحربي جزء يسير من انتصارات القوات المسلحة اليمنية التي تحققت خلال الأيام الماضية


اليمن يواجه التصعيد السعودي.. تحركات عسكرية وحسابات سياسية معقدة


المكتب السياسي لأنصار الله: نؤكد أن تصعيد النظام السعودي باستهداف الشعب اليمني سيواجه بردود موجعة


المكتب السياسي لأنصار الله: ما يسمى بالمجتمع الدولي غدا عونا للقتلة والمجرمين وصوتا للجلاد على حساب الضحية


المكتب السياسي لأنصار الله: مما يؤسف له أن هذه الجرائم السعودية المشهودة أضحت وكأنها ملف منسي في أدراج الأمم المتحدة وما يسمى بالمجتمع الدولي


المكتب السياسي لأنصار الله: استهداف العدو السعودي سوق شعبي بعدة غارات واستمراره في ارتكاب الجرائم والمجازر بحق الشعب اليمني تشكل جرائم حرب موصوفة


الأكثر مشاهدة

القناة 13 "الإسرائيلية": هزيمة تاريخية لترامب في انتخابات التجديد النصفي وتداعيات خطيرة على "إسرائيل"


مصادر إعلامية: صفقة ترامب مع روسيا بشأن وقود الديزل تتوقف بسبب انخفاض مخزونات الوقود الأمريكية إلى أدنى مستوى لها منذ 20 عامًا


اعلام ألماني: العثور على وزير الاقتصاد بافاريا أيفانغر ميتا في أحد فنادق برلين


مصادر لبنانية: غارة لطيران العدو الإسرائيلي تستهدف المنطقة الواقعة بين بلدتي مركبا وطلوسة في جنوب لبنان


عراقجي يؤكد على تعزيز العلاقات بين إيران وبولندا


أكسيوس: زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز يعلن ترشحه لرئاسة المجلس في رسالة وجهها إلى زملائه


وكالة أنباء كوريا الشمالية: تجربة إطلاق ناجحة لمنظومة صواريخ متطورة للدفاع الجوي


الصحة اليمنية: استشهاد 7 مدنيين بينهم طفلان وإصابة 6 أطفال بجراح من جراء استهداف الطائرات السعودية منزلا غربي تعز


بقائي يرد على تصريحات وزير الخارجية الألماني


مصادر فلسطينية: تجدد المواجهات في بلدة "سلواد" شمال شرق رام الله، والاحتلال يُطلق قنابل الغاز


زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي شاك شومر: الحرب على إيران يجب أن تنتهي وسنحاصر ترمب تشريعيا إذا لم يمتثل لإرادة الشعب