عاجل:

من صفعة النيجر إلى استيقاظ أفريقيا.. صراع النفوذ والثروات من المتوسط إلى الساحل

الإثنين ٠٧ سبتمبر ٢٠٢٦
٠٣:١٩ بتوقيت غرينتش
من صفعة النيجر إلى استيقاظ أفريقيا.. صراع النفوذ والثروات من المتوسط إلى الساحل نوال عباسي-تونس - منتدى سيف القدس

ليس من قبيل الصدفة أن يمتد الصراع من شواطئ البحر المتوسط حيث تتصارع القوى الكبرى على الغاز وحقوق الملاحة، إلى أعماق الساحل الأفريقي حيث تتنازع على اليورانيوم والذهب والمعادن النادرة. فهذا المحور الطويل، الذي يربط بين دفء المتوسط وجحيم الصحراء، لم يكن مجرد ممر جغرافي، بل أصبح مسرحاً لتجديد الإمبراطوريات، حيث تعيد القوى الكبرى والإقليمية رسم خرائط نفوذها انطلاقاً من ليبيا بوابة المتوسط، وصولاً إلى النيجر قلب الساحل. وفي قلب هذا المسرح، جاء انقلاب النيجر ليكشف عن كل تناقضات هذا الصراع المتجذر، معلناً بداية مرحلة جديدة من التنافس العالمي على ثروات القارة السمراء.

في صبيحة التاسع والعشرين من أغسطس 2026، وفي هدوءٍ خادعٍ يسبق العواصف، اهتزت العاصمة النيجرية نيامي على وقع رصاصاتٍ أيقظت ساكنها، وكشفت عن مؤامرةٍ كانت تُحاك في ظلال القاعدة الجوية "101". لم تكن تلك اللحظة مجرد محاولة انقلاب عسكري عابرة في بلدٍ يعاني من وطأة عدم الاستقرار المزمن، بل كانت كشفاً صريحاً لخريطة صراعٍ جيوسياسي تمتد جذوره من أعماق الصحراء الأفريقية إلى قاعات صنع القرار في عواصم العالم. فما جرى في نيامي، بتداخلاته المعقدة وتحالفاته المستجدة، لم يكن مجرد حلقة في سلسلة الانقلابات، بل فتحاً لصندوق باندورا أطلق في فضاء الساحل الافريقي كل تناقضات الصراع العالمي المتأجج.

في هذا السياق، كان المشهد الأبرز في نيامي هو الهبوط غير المسبوق لأربع مقاتلات "سوخوي سو-30" جزائرية في مطارها الدولي، في خطوة تجاوزت بكثير حدود الدعم اللوجستي التقليدي لتتحول إلى عتبة ردع استراتيجي واضحة المعالم. فالجزائر التي تمتد حدودها الجنوبية لأكثر من تسعمائة كيلومتر مع النيجر، لم تكن تقاتل على الأرض، لكنها كانت ترسل رسالة قاطعة للجميع: أن أمن النيجر جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الجزائري، وأن أي مغامرة في الجنوب ستواجه بحسم عسكري لا لبس فيه. وبينما كانت الطائرات الجزائرية ترسم دوائرها في سماء الساحل، كان "الفيلق الأفريقي" الروسي يدير المعركة الفعلية على الأرض، مستغلاً بذكاء الفراغ الذي تركته القوات الفرنسية المطرودة بعد سنوات من التوتر والاتهامات المتبادلة. وهنا تكمن المفارقة التاريخية: فرنسا التي اتهمها المجلس العسكري النيجري علناً بتنظيم محاولة الانقلاب، وجدت نفسها وجهاً لوجه مع تحالف جديد يضم الجزائر وروسيا والنيجر، في صفعة جديدة للهيمنة الغربية التقليدية التي كانت تسيطر على منطقة الساحل لعقود طويلة.

غير أن السر الأعمق في محاولة الانقلاب لم يكن فرنسياً فقط، بل امتد ليشمل تحركات إقليمية معقدة كشفت عنها تقارير استخباراتية وصحفية، أبرزها مجلة "أفريكا إنتليجنس" الفرنسية المتخصصة، التي وثقت بدقة كيف قاد صدام حفتر، نجل المشير خليفة حفتر والقائد الميداني في جنوب ليبيا، تحركاً إقليمياً طموحاً لتعزيز نفوذه وإضعاف المجلس العسكري النيجري. فقد زار حفتر تشاد في السادس والعشرين من يوليو 2026، حيث بحث مع الرئيس محمد إدريس ديبي تعزيز القوة العسكرية المشتركة للحدود ووضع خطط للتحرك ضد السلطات النيجرية التي يتهمها بدعم جماعات معارضة له في جنوب ليبيا. ولم يكتفِ بذلك، بل سعى لحشد دعم المتمردين النيجريين المعارضين للمجلس العسكري بقيادة عبد الرحمن تياني، مستفيداً من قواعدهم الخلفية في ممر "سلفادور" الاستراتيجي شمال النيجر، وهو الممر الذي يربط ليبيا بمنطقة الساحل ويعتبر شرياناً حيوياً للتهريب والحركات المسلحة. وفي خطوة أكثر جرأة، أفرج "الجيش الوطني الليبي" في يونيو 2026 عن المعارض النيجري محمود صالح، زعيم "الجبهة الوطنية للتحرير"، وعرض عليه استئناف العمل المسلح ضد حكومة نيامي، في مسعى واضح لفتح جبهة داخلية ضد المجلس العسكري النيجري من خلال وكلاء محليين.

وفي سياق متصل، تداولت تحليلات صحفية وسياسية إشارات حول تورط أطراف أخرى في هذه اللعبة الإقليمية المعقدة، دون أن تؤكد تقارير "أفريكا إنتليجنس" تنسيقاً ثلاثياً مباشراً بين حفتر والإمارات والكيان الصهيوني في النيجر. فقد أشارت بعض التحليلات إلى أن الإمارات تستخدم حفتر كأداة ميدانية في الساحل، مع مؤشرات على إنشاء قواعد عسكرية بغطاء تنموي، في إطار تنافسها الإقليمي مع تركيا وقطر. ويتخوف مراقبون من أن تكون هذه التحركات جزءاً من مخطط أكبر يهدف إلى ضرب استقرار الجزائر من حدودها الجنوبية، خاصة في ظل التقارب الجزائري-النيجري المتزايد. كما أفادت "أفريكا إنتليجنس" في سياق آخر بوجود اتصالات استخباراتية بين الكيان الصهيوني وقوات "الدعم السريع" في السودان، حيث تمثل الإمارات والكيان الصهيوني طرفاً في صراع جيوسياسي مع تركيا هناك.
ليبيا في قلب هذا المشهد المتشابك تبقى حاضرة بقوة بوصفها ساحة التنافس الدولي الأولى في المنطقة، فهي ليست مجرد دولة تعاني الفوضى ، بل هي حلقة الوصل بين المتوسط والساحل، حيث تتقاطع المصالح التركية في غربها والروسية والإماراتية في شرقها، لتصبح نقطة انطلاق للنفوذ نحو جنوب الصحراء. ويأتي الاتفاق البحري التركي-الليبي الموقع عام 2019 كأحد أبرز الأدوات في هذه اللعبة، حيث كسر الحصار الذي فرضته قبرص واليونان والكيان الصهيوني على تركيا في شرق المتوسط، ومنحها موطئ قدم قانوني للتنقيب عن الطاقة، وأسس لتحالف استراتيجي يمتد من شواطئ المتوسط إلى أعماق الصحراء، مما أعاد رسم خرائط النفوذ في منطقة حساسة تشكل نقطة التقاء لمصالح متضاربة.

وإذا كان المتوسط وليبيا يشكلان المسرح الشمالي لهذا الصراع، فإن القرن الأفريقي يمثل مسرحه الجنوبي الشرقي، حيث تتجلى الاستراتيجيات الكبرى بأوضح صورها. ففي الصومال، تخطط تركيا لإنشاء قاعدة فضائية وصاروخية في مدينة ورشيخ، وهو مشروع يثير قلق الكيان الصهيوني الذي يرى في هذه الصواريخ تهديداً مباشراً لأمنه القومي، بينما تتعانق في جيبوتي المصالح العسكرية لأمريكا والصين وفرنسا في مشهد فريد يجسد التعددية القطبية على أرض الواقع. هذه المنطقة، التي تمر من خلالها ثلث التجارة العالمية، لم تعد مجرد ساحة للملاحة البحرية، بل أصبحت مسرحاً لصراع ناعم على النفوذ عبر صفقات الموانئ والقواعد العسكرية، حيث تتنافس القوى الكبرى على تأمين خطوط الإمداد والتحكم في ممرات الملاحة الحيوية التي تربط الشرق بالغرب.

غير أن الأهم من كل هذه الأدوار الخارجية، وهذا الصراع المحموم على النفوذ، هو ما يحدث في أعماق القارة الأفريقية نفسها، حيث يترعرع وعي جديد لا يكتفي باسترجاع أمجاد النضال ضد الاستعمار، بل يتجاوزها إلى مشروع وجودي طموح لبناء كتلة جيوسياسية موحدة، قادرة على اقتناص لحظة التحولات الكبرى التي يعيشها العالم. ففي الوقت الذي تتكاتف فيه الكتلة الأوراسية لتشكيل قطبية دولية بديلة تنتزع فيها زمام المبادرة من الهيمنة الغربية الأحادية، تظل أفريقيا ممزقة بين إرث الاستعمار القديم وأشكال التبعية الجديدة، وكأنها تنظر إلى هذا المخاض العسير من نافذة التاريخ دون أن تلمس زمام مستقبلها بيديها. لكن رياح التغيير بدأت تهب بقوة في الساحل، حيث تدرك الشعوب أن السيادة الحقيقية لا تمنح، بل تُنتزع، وأن الاقتدار لا يتحقق بمواقف الخطاب وحده، بل بكتلة صلبة قادرة على فرض إرادتها وحماية ثرواتها ومصالحها الحيوية. إن المشروع الأفريقي الطموح، المتمثل في منطقة التجارة الحرة القارية وإعادة تفعيل دور الاتحاد الأفريقي كوسيط وحكم في النزاعات، يبقى ناقصاً ما لم يتوج بكتلة دفاعية وسياسية موحدة، تضع حداً للتدخلات الخارجية وتقطع الطريق على أي قوة تسعى لجعل القارة ساحة لصراعاتها. هذا الوعي المتصاعد هو ما يحرك حركات التحرر في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، رغم كل تعقيداتها وتناقضاتها الداخلية، فهي ليست مجرد انقلابات عسكرية، بل هي صرخة في وجه نظام عالمي ظالم، ومحاولة لإعادة تعريف السيادة الوطنية في عالم تتداخل فيه المصالح وتتصارع فيه الإمبراطوريات.

ما جرى في النيجر إذن ليس مجرد حلقة عابرة في سلسلة الانقلابات الأفريقية، بل هو نقطة تحول تاريخية كشفت عن انتهاء حقبة الهيمنة الغربية المنفردة في الساحل وحلول عصر التعددية القطبية، وعن بروز أدوار إقليمية جديدة كالدور الجزائري والتركي تعيد رسم خريطة النفوذ، وعن صراع خفي على المعادن الحيوية سيكون محور التنافس العالمي القادم، وعن وعي أفريقي متنامٍ بضرورة تشكيل كتلة موحدة قادرة على حماية مصالحها في هذا العالم المتغير. والسؤال الأكبر الذي تطرحه أحداث النيجر ليس "من فاز في المعركة؟" بل "هل ستتمكن أفريقيا من تحويل هذه المعركة إلى مشروع تحرر حقيقي، أم ستظل أسيرةً للتنافس الدولي الذي لا يرحم؟"

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

تداعيات نتائج الانتخابات الأمريكية على الداخل الإسرائيلي


صناديق الاقتراع في أميركا تؤدب ترامب


وزارة الصحة اليمنية: استشهاد 30 مواطنا وإصابة 8 آخرين في حصيلة غير نهائية لجريمة قصف طيران السعودي سوق الحضارة في مديرية الوازعية بتعز


مجلس الشيوخ فی باراغوای يرفض طلب الرئيس سانتياغو بينيا منحه مهلة 72 ساعة في إطار إجراءات عزله من منصبه


مصدر عسكري لوكالة سبأ: ما نشره الإعلام الحربي جزء يسير من انتصارات القوات المسلحة اليمنية التي تحققت خلال الأيام الماضية


اليمن يواجه التصعيد السعودي.. تحركات عسكرية وحسابات سياسية معقدة


المكتب السياسي لأنصار الله: نؤكد أن تصعيد النظام السعودي باستهداف الشعب اليمني سيواجه بردود موجعة


المكتب السياسي لأنصار الله: ما يسمى بالمجتمع الدولي غدا عونا للقتلة والمجرمين وصوتا للجلاد على حساب الضحية


المكتب السياسي لأنصار الله: مما يؤسف له أن هذه الجرائم السعودية المشهودة أضحت وكأنها ملف منسي في أدراج الأمم المتحدة وما يسمى بالمجتمع الدولي


المكتب السياسي لأنصار الله: استهداف العدو السعودي سوق شعبي بعدة غارات واستمراره في ارتكاب الجرائم والمجازر بحق الشعب اليمني تشكل جرائم حرب موصوفة


الأكثر مشاهدة

القناة 13 "الإسرائيلية": هزيمة تاريخية لترامب في انتخابات التجديد النصفي وتداعيات خطيرة على "إسرائيل"


مصادر إعلامية: صفقة ترامب مع روسيا بشأن وقود الديزل تتوقف بسبب انخفاض مخزونات الوقود الأمريكية إلى أدنى مستوى لها منذ 20 عامًا


اعلام ألماني: العثور على وزير الاقتصاد بافاريا أيفانغر ميتا في أحد فنادق برلين


مصادر لبنانية: غارة لطيران العدو الإسرائيلي تستهدف المنطقة الواقعة بين بلدتي مركبا وطلوسة في جنوب لبنان


عراقجي يؤكد على تعزيز العلاقات بين إيران وبولندا


أكسيوس: زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز يعلن ترشحه لرئاسة المجلس في رسالة وجهها إلى زملائه


وكالة أنباء كوريا الشمالية: تجربة إطلاق ناجحة لمنظومة صواريخ متطورة للدفاع الجوي


الصحة اليمنية: استشهاد 7 مدنيين بينهم طفلان وإصابة 6 أطفال بجراح من جراء استهداف الطائرات السعودية منزلا غربي تعز


بقائي يرد على تصريحات وزير الخارجية الألماني


مصادر فلسطينية: تجدد المواجهات في بلدة "سلواد" شمال شرق رام الله، والاحتلال يُطلق قنابل الغاز


زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي شاك شومر: الحرب على إيران يجب أن تنتهي وسنحاصر ترمب تشريعيا إذا لم يمتثل لإرادة الشعب