قلة من الناس يجعلون الزمن، في حياتهم وبعد رحيلهم، أكثر من مجرد تعاقب للأيام. يحفر عيشهم فيه أثرا لا ينتهي بانتهاء أعمارهم؛ لأنهم لم يكونوا لأنفسهم وحدها، بل لقضية آمنوا بها، وبذلوا في سبيلها كل شيء، حتى انتهوا إلى أقصى ما يستطيع الإنسان أن يقدمه: حياته.
في هذا المشرق الأليم المألوم، كان السيد الشهيد حسن نصر الله في طليعة هؤلاء؛ رجلا يصعب اختصار حضوره في موقع سياسي أو مركز حزبي أو دور عسكري أو خطاب عابر؛ لأن في سيرته ما يتجاوز هذه العناوين جميعها إلى معنى الإنسان الذي اختار أن يجعل من حياته شهادة على ما يؤمن به.
كان في صدقه شيء من ذلك الصدق المحمدي الذي يجعل الكلمة عهدا، والموقف أمانة، والوعد مسؤولية. لم يكن عنده زينة في الخطاب، بل طريقة في العيش؛ يقول ما يؤمن به، ويؤمن بما يقول، ثم يدفع من حياته ثمنا لما قال وآمن. ومن هنا كانت أمانته جزءا من جبلته: أمانة الكلمة، وأمانة من وثقوا به، وأمانة القضية التي اختار أن يحملها حتى نهايتها.
وكان في زهده بعض من ذلك الزهد العلوي الذي يحرر الإنسان من أسر ما يملك، ومن إغراء ما يستطيع أن يملك، ومن الحاجة إلى أن يكون الموقع غاية، والمجد غنيمة، والذات مركزا لكل شيء. كان يخفف من نصيبه في الدنيا كلما ثقلت عليه أمانة ما يؤمن به، راسخا على عقيدة مفادها أن من تحرر من الخوف على ما يملك، تحرر من التنازل عما يؤمن به، ومن صغرت الدنيا في عينه، كبرت عنده الأمانة.
وكان مسيحيا في فدائيته، بمعنى أن لا تكون حياته أغلى عنده من المبدأ الذي اختار أن يجعلها له. ومن هنا جاءت فدائيته لا اندفاعا عابرا، ولا بطولة تطلب لذاتها، بل واجبا إيمانيا وثمرة طبيعية لإنسان تعلم أن يقلل ما لنفسه، ليعظم ما لقضيته؛ أن يسأل لا عما يأخذ، بل عما يعطي. وهنا يلتقي الزهد بالفداء: حين يتخفف الإنسان من التعلق بنفسه إلى الحد الذي يصبح فيه قادرا على بذلها.
وكان حسينيا في ثباته؛ في ذلك المعنى الذي يجعل الإنسان، حين تضيق به السبل، أكثر تمسكا بما يراه حقا، لا أقل. فالثبات لا يختبر حين تكون الطريق ممهدة، ولا حين يكون الثمن قليلا، وإنما حين يصبح الإيمان بما اخترته أثقل من قدرتك على الاحتمال.
ولعل ذكرى استشهاده تأتي هذه السنة ولبنان في أمس الحاجة إلى هذا النوع من المعاني. فلبناننا بلد لا تنقصه أسباب الاختلاف؛ بل لعل الاختلاف جزء من طبيعته، ومن تركيبته، ومن سر وجوده. لكن المشكلة لا تكون في أن نختلف، وإنما في أن يتحول اختلافنا إلى خصومة تسقط عن المختلف إنسانيته، وإلى قطيعة تجعل من الاختلاف هدما لما بيننا من عيش ومصير.
ومن هنا، لعل في هذه الذكرى فرصة لأن نستعيد شيئا من الشمس إلى حياتنا اللبنانية: أن نتعلم كيف نختلف من دون أن نخل بواجباتنا الوطنية، ومن دون أن نهدم ما يجمعنا، وأن نعرف أن الخصومة في السياسة لا تستوجب خصومة في القيم، وأن الاختلاف في الخيارات لا ينبغي أن يحجب عنا ما في الآخر من فضائل.
ومهما يكن الرأي في المقاومة، ودورها وخياراتها، فإن لأصحاب هذا الرأي حقا مشروعا في التعبير عنه ومناقشته؛ لكن هذا الحق لا يقتضي أن يفسد شيئا من واجب الإجلال لرجل من لبنان، شهد له الجمع بالفضائل، عاش ومات على ما آمن به، ودفع حياته ثمنا لما اعتقد أنه واجبه.
ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله هذه الذكرى أن تخرج من حدود مناصري السيد إلى رحاب لبنان كله؛ أن يجد فيها كل لبناني، أيا يكن انتماؤه أو موقفه، شيئا من القيم التي لا طائفة لها: أن يكون صادقا في قوله، أمينا في عهده، وفيا لمن أحبه، ثابتا حين يؤمن، وقادرا على أن يدفع من نفسه ثمن ما يعتقده حقا. وليس مطلوبا من مسيحي أو مسلم، ولا من مؤيد للمقاومة أو معارض لها، أن يستعير موقف الرجل أو أن يتبنى خياراته كي يجد في سيرته ما يستحق التقدير. قد لا تجمعكم به الخيارات، لكن يمكن أن تجمعكم به القيم التي عاش لها، وما تركه في سيرته من معنى الإنسان الذي يفي بما يؤمن به.
والإنصاف هنا ليس مجاملة، ولا هو طلب من أحد أن يتخلى عن قناعته. فقد شهد للرجل العدو قبل الحليف بالصدق والأمانة والزهد والثبات والإقدام والوعي، وبملكات قيادية استثنائية. وقد يعيب عليه بعض اللبنانيين إسناده إلى المعذبين في غزة، ولهم حجتهم في أن الوحشية الإسرائيلية تمادت، وأن الحرب طاولت لبنان وكلفته أثمانا باهظة. لكن يبقى من حق العقل، قبل العاطفة، أن يسأل السائل: ماذا عن كل ما قيل في أوساط العدو وداعميه عن أن الاعتداء على لبنان كان سيقع بإسناد أو من دونه؟ وماذا عن وصية القديس بولس التي تختصر، في عبارة مسيحية عميقة، واجب نجدة الإنسان للإنسان: «أسندوا الضعفاء»؟ وهو معنى له نظيره في الموروث الإسلامي، حيث تتقدم نصرة المظلوم وإغاثة المستضعف بوصفهما من صميم إنسانية الإنسان.
وفي الخلاصة: ليس المطلوب أن نتفق على الرجل لكي ننصفه، ولا أن نتفق مع خياراته لكي نعلي ذكراه. ففي الأوطان التي تحترم نفسها، لا تكون الخصومة السياسية إلغاء للخصم، ولا يكون الاختلاف في الرأي ترخيصا للجحود بنبل المرء وفرادته وعظمة كفاحه.
وعليه، في ذكرى استشهاده، يحق للبنانيين أن يختلفوا حول المقاومة، لكن يليق بهم أن يتفقوا على احترام سيدها؛ أن يختلفوا في السياسة من دون أن يختلفوا على قدر الرجل، وأن يحفظوا للخصومة حدودها وللشهادة حرمتها. فاحترام من نختلف معه ليس تنازلا عن قناعاتنا، بل ارتقاء بأخلاقيات اختلافنا، وواجب وطني يفرضه علينا واقع أننا جميعا ننتمي إلى وطن لا يقوم إلا بتنوعه؛ وهو تنوع يفرض، قبل أي شيء، احترام الآخر في قناعاته ومقدساته وشهدائه.
ولمريديه، يصح القول إن فقد السيد ليس ألما يعتصر القلب فحسب، وإن كان القلب لا يملك أمام غيابه إلا أن يتوجع. الفقد، في معناه الأعمق، امتحان للأحياء: هل تبقى المبادئ ثابتة حين يغيب شهيدها؟ وهل يستطيع الذين أحبوه أن يحملوا ما حمله، وأن يثبتوا حيث ثبت، وأن يصبروا كما صبر، في زمن لا يحتمل خفة ولا تسرعا، ولا يتسع في المقابل لمواربة أو تخاذل أو تذبذب؟
الشهداء لا يتركون لنا الحزن لكي نقيم فيه؛ يتركونه لنا كي نعبره. يتركون لنا ما آمنوا به أمانة، وما ثبتوا عليه عهدا، وما بذلوه صوتا يبقى صارخا في الضمير. حضورهم لا يقاس بما يتركه غيابهم في العيون من دموع، بل بما يوقظه غيابهم في الأرواح من مسؤولية. ولعل أصدق الوفاء لهم ألا نبقى عند الحزن، بل أن نسأل أنفسنا: ماذا أخذنا من سيرتهم، وماذا حفظنا من أماناتهم، وماذا بقي فينا من ثباتهم حين جاءت ساعة الاختبار؟
فالشهيد، حين يغيب، لا يترك فراغا في المكان فحسب؛ يترك امتحانا في الإنسان. إذ يصبح غيابه سؤالا موجها إلى الذين بقوا: هل كان ما آمن به قادرا على أن يعيش من بعده؟ وهل كانت القيم التي دفع حياته ثمنا لها قد بلغت فينا من الرسوخ ما يجعلها تستمر حين يغيب صاحبها؟ عندها لا يعود الوفاء أن نحفظ صورته في الذاكرة وأن نحيي ذكراه، بل أن نحفظ المعنى الذي عاش ومات من أجله في السلوك والموقف والضمير.
وبهذه المعاني كلها يبقى السيد الشهيد حسن نصر الله: مسيحيا في فدائيته، ومحمّديا في صدقه وأمانته، وعلويا في زهده وإيثاره، وحسينيا في ثباته. ويبقى على الذين أحبوه أن يجعلوا من غيابه مسؤولية لا مجرد ذكرى، وأن يفهموا أن الوفاء الحقيقي ليس أن نحزن على من رحل فحسب، بل أن نحيا بما كان يرى أن الحياة تستحق أن تبذل من أجله.
يرحل ناس، فيأخذ غيابهم شكلا آخر من أشكال الحضور. السيد الشهيد من هؤلاء: غاب الجسد، وبقيت الشهادة؛ غاب الصوت، وبقي السؤال؛ وغاب الرجل، وبقيت الأمانة.
وفي الختام يبقى السؤال الذي يليق بالذكرى: بعد الرجل، ماذا بقي فينا من فضائل الرجل؟
رحم الله السيد الشهيد، وحمى لبنان!