عاجل:

بين تحفظ القائد وإغراءات الاتفاق: هل نحن أمام تسوية تاريخية أم اختبار للثقة المستحيلة؟

الجمعة ١٩ يونيو ٢٠٢٦
٠١:٥٠ بتوقيت غرينتش
بين تحفظ القائد وإغراءات الاتفاق: هل نحن أمام تسوية تاريخية أم اختبار للثقة المستحيلة؟ في السياسة الدولية، لا تُقاس أهمية الاتفاقات بما تتضمنه من بنود فحسب، بل بما تعكسه من موازين قوى، وما تكشفه من حجم التنازلات المتبادلة وحدود الثقة بين الأطراف. ومن هنا، فإن قراءة رسالة قائد الثورة الإسلامية السيد مجتبى الحسيني خامنئي بشأن "مذكرة تفاهم إسلام آباد" لا تنفصل عن قراءة نص الاتفاق نفسه، لأن الرسالة جاءت بمثابة الإطار السياسي والعقائدي الذي يحدد كيفية تعامل الجمهورية الإسلامية مع هذا التحول الكبير.

اتفاق يبدو أكبر من مجرد تفاهم

عند مراجعة البنود الواردة في المذكرة، يتضح أننا لسنا أمام اتفاق تقني محدود يتعلق بالبرنامج النووي فقط، بل أمام مشروع إعادة صياغة شاملة للعلاقة الإيرانية – الأمريكية.

فالوثيقة تتحدث عن:

  • إنهاء الحرب الجارية ووقف الأعمال العسكرية.
  • رفع الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية.
  • الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.
  • ضمان حرية الملاحة والتجارة.
  • استثمارات وإعادة إعمار بمئات المليارات من الدولارات.
  • معالجة الملف النووي ضمن إطار تفاوضي جديد.
  • التزام متبادل باحترام السيادة وعدم التدخل.

وهي بنود لو تحققت فعلياً، فإنها تمثل أكبر تحول في العلاقات بين البلدين منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979.

لماذا تحفظ القائد؟

المثير في رسالة القائد أنه لم يتعامل مع الاتفاق بوصفه انتصاراً نهائياً، ولم يمنحه تفويضاً مفتوحاً، بل أشار بوضوح إلى أنه كان يمتلك "رأياً آخر".

هذه العبارة القصيرة تحمل دلالات عميقة.

فالقائد الذي راكم تجربة أربعة عقود من الصراع مع الولايات المتحدة يدرك أن المشكلة الأساسية لم تكن يوماً في النصوص، بل في تنفيذها. والتجربة الإيرانية مع الاتفاق النووي عام 2015 لا تزال حاضرة بقوة؛ يومها وقعت طهران اتفاقاً دولياً شاملاً ثم انسحبت واشنطن منه بصورة أحادية.

لذلك فإن التحفظ لا يتعلق بالبنود المعلنة، بل بمسألة الثقة بالجانب الأمريكي.

موافقة مشروطة لا تفويض مطلق

الرسالة تكشف أن موافقة القائد جاءت استناداً إلى تعهد واضح من رئيس الجمهورية والمجلس الأعلى للأمن القومي بالحفاظ على حقوق الشعب الإيراني وحقوق جبهة المقاومة.

بمعنى آخر، فإن القيادة لم تمنح الموافقة على أساس حسن نية واشنطن، بل على أساس مسؤولية الحكومة الإيرانية عن حماية الخطوط الحمراء الوطنية.

ومن هنا نفهم لماذا شدد القائد على أن أي مفاوضات مباشرة مستقبلية "لا تعني الإذعان لرأي العدو".

فالقيادة تريد أن تمنع تحويل التفاوض إلى مدخل للضغط السياسي أو الأمني أو الإقليمي على الجمهورية الإسلامية.

جبهة المقاومة: العقدة الحقيقية

رغم أن نص المذكرة يركز بصورة أساسية على الملفات الاقتصادية والنووية، فإن الرسالة تكشف أن الملف الأهم بالنسبة للقيادة الإيرانية هو مستقبل محور المقاومة.

ولهذا جاء التأكيد الصريح على عدم المساس بحقوق جبهة المقاومة.

فالولايات المتحدة قد تقبل برفع "العقوبات" أو الإفراج عن الأموال، لكنها تنظر إلى النفوذ الإقليمي الإيراني بوصفه القضية المركزية.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية.

فإذا حاولت واشنطن في المراحل اللاحقة تحويل الاتفاق الاقتصادي إلى منصة لفرض شروط تتعلق بفلسطين أو لبنان أو العراق أو اليمن، فإن ذلك سيعني عملياً سقوط الأساس الذي سمح بإعطاء الضوء الأخضر لهذا المسار.

ماذا تقول بنود الاتفاق عملياً؟

يمكن قراءة المذكرة على أنها تعكس اعترافاً أمريكياً بعدد من الحقائق التي فرضتها السنوات الماضية:

  1. فشل سياسة "الضغط الأقصى" في إسقاط "النظام" الإيراني.
  2. استحالة القضاء على البرنامج النووي بالقوة.
  3. عجز الحصار الاقتصادي عن تغيير خيارات الجمهورية الإسلامية.
  4. الحاجة الأمريكية إلى استقرار إقليمي يمنع انفجاراً واسعاً في الشرق الأوسط.

وفي المقابل، تبدو إيران مستعدة لاختبار فرصة تخفيف الضغوط الاقتصادية إذا جرى ذلك من دون المساس بثوابتها السيادية والاستراتيجية.

اختبار الثقة المستحيلة

العبارة الأكثر أهمية في رسالة القائد ليست الحديث عن الاتفاق، بل قوله إن الشعب الإيراني والقيادة "سينتظرون تحقق الشروط المذكورة".

هذه الجملة تختصر فلسفة التعامل الإيراني مع الاتفاق.

فالمعيار ليس التوقيع، بل التنفيذ.

وليس المهم ما كُتب على الورق، بل ما سيحدث على الأرض خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.

فإذا بدأت العقوبات بالتراجع فعلاً، وأُفرج عن الأموال المجمدة، وانتهت الضغوط الاقتصادية، فإن الاتفاق قد يفتح صفحة جديدة في المنطقة.

أما إذا عادت واشنطن إلى سياسة المماطلة وفرض الشروط الإضافية، فإن الرسالة الإيرانية واضحة: المفاوضات لا تعني الاستسلام، والتفاهم لا يعني التخلي عن عناصر القوة.

الخلاصة

تكشف رسالة قائد الثورة أن الجمهورية الإسلامية لا تنظر إلى "مذكرة إسلام آباد" بوصفها نهاية الصراع مع الولايات المتحدة، بل باعتبارها اختباراً جديداً للنوايا الأمريكية. فالقيادة وافقت على إعطاء الفرصة للدبلوماسية، لكنها أبقت يدها على الزناد السياسي والاستراتيجي، وربطت نجاح الاتفاق بثلاثة شروط جوهرية: صون السيادة الإيرانية، حماية البرنامج النووي السلمي، وعدم المساس بجبهة المقاومة.

وبذلك يمكن القول إن الرسالة لم تكن احتفالاً بالاتفاق بقدر ما كانت إعلاناً عن مرحلة مراقبة دقيقة، عنوانها: سنختبر واشنطن بالأفعال لا بالأقوال، وبالالتزام لا بالوعود.

د. أكرم شمص

0% ...

آخرالاخبار

حرس الثورة: أمريكا وكيان الاحتلال سيرضخان لواقع منطقة خالية من وجودهما


صنعاء تعلن عن عدوان سعودي كبير على محافظات يمنية وتؤكد أنه لن يمر دون رد


استطلاع رأي "رويترز ايبسوس": 17% فقط من الأميركيين يؤيدون طريقة تعامل ترامب مع تكاليف المعيشة


الخارجية القطرية: أي اتفاق بين واشنطن وطهران لن يكون نهائيا بل سيكون كافيا لبدء التفاوض


المتحدث باسم الخارجية القطرية: نحن بحاجة إلى حل دبلوماسي مستدام يحقق الضمانات الأمنية لكل دول المنطقة


المتحدث باسم الخارجية القطرية: نسعى إلى تسهيل اتفاق بين واشنطن وطهران حتى لو قصير الأمد ليفتح الباب لمفاوضات


حرس الثورة: العدو بعد فشله في المجال العسكري، لجأ إلى حروب هجينة ونفسية واقتصادية وإعلامية


حرس الثورة: القوات المسلحة على أهبة الاستعداد للرد بحزم وبشكل مدمر على أي اعتداء أو خطأ في حسابات العدو


حرس الثورة: على أمريكا والنظام الصهيوني أن يدركا أن عليهما، عاجلًا أم آجلًا، القبول بمنطقة خالية من وجودهما الخبيث والإجرامي، وأنهما لن يتمكنا من الإفلات من هذا المصير


وزير الداخلية الباكستاني لبزشكيان: عازمون على مواصلة تطوير وتعزيز العلاقات والتعاون بين البلدين في مختلف المجالات


الأكثر مشاهدة

نفاد الوقود يهدد مستشفيات غزة بالشلل ويهدد حياة المرضى


تقدم يمني متسارع يربك القوات المدعومة سعودياً في تعز ولحج


ترامب يصعّد ضد إيران و"إسرائيل"تترقّب ساعة المواجهة


اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار