عاجل:

كش مات ترامب

السبت ٠٧ نوفمبر ٢٠٢٦
٠٣:٢٨ بتوقيت غرينتش
كش مات ترامب *مصطفى منيب

«تخيّلوا صورتي على ورقة الاقتراع»؛ عبارة كررها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرات عدة خلال تجمعاته الانتخابية، في محاولة لدفع الناخبين الأميركيين إلى التصويت لمصلحة مرشحي حزبه الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس التي شهدتها الولايات المتحدة مؤخراً. لكن ما أراد به دعم مرشحي حزبه انقلب عليه، وانطبق عليه المثل القائل: «أراد أن يكحّلها فأعماها»؛ إذ وجه بدعمه هذا ضربة قاسية إلى المرشحين والحزب الجمهوري، قد لا يتمكنون من تجاوز تداعياتها حتى في المستقبل المنظور.

لقد كشف ترامب، من خلال سلوكه وخطابه، عن نزعة مفرطة إلى التمركز حول الذات، جعلت صورته الشخصية ومصالحه تتقدم على مصالح حزبه، بل وكأنها تفصله تدريجياً عن محيطه السياسي والواقع الذي يعيشه الأميركيون.

فالرجل، رغم ما تسببت فيه سياساته من كوارث للعالم والولايات المتحدة وشعبها وللحزب الجمهوري، بسبب تبعيته العمياء لحليفه المهزوم والمأزوم، رئيس وزراء كيان الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي أقنعه، بالتعاون مع المتصهينين في إدارته، بشن عدوان عسكري على إيران، وجد نفسه أمام هزيمة انتخابية ثقيلة؛ إذ خسر الجمهوريون مجلسي النواب والشيوخ ومواقع حكام الولايات، وتراجعوا في عقر دارهم، بعدما فقدوا ولايات كانت معاقل تاريخية لهم منذ نحو قرن أو نصف قرن.

في المقابل، فاز مرشحون ديمقراطيون من المسلمين والعرب والأميركيين ذوي الأصول اللاتينية والأميركيين السود، إلى جانب عدد من النساء، رغم حملات التشهير غير الأخلاقية التي استهدفتهم. غير أن الأموال الطائلة التي ضخها اليمين المتطرف واللوبيات الصهيونية، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «إيباك»، لم تتمكن من التأثير في اتجاهات الناخبين أو حجب حقيقة باتت أكبر من أن يُتستر عليها؛ فقد وصلت تداعيات العدوان إلى بيوت الأميركيين وجيوبهم، ولم تعد الحملات الدعائية قادرة على إخفاء آثارها المعيشية والاقتصادية.

ومن أبرز مظاهر هذا التمركز حول الذات، عجز ترامب عن تحمل مسؤوليته السياسية عن الهزيمة التي مُني بها حزبه؛ إذ توعّد بتدمير الديمقراطيين إذا حاولوا تعكير صفو العامين الأخيرين من ولايته، وحمّل تقاعس الناخبين الجمهوريين عن المشاركة في الاقتراع مسؤولية الهزيمة. كما عزا إحجام الناخبين عن التصويت لبعض المرشحين الجمهوريين إلى عدم إخلاص هؤلاء له، رغم دعمه لهم!

أما الحقيقة الوحيدة التي اضطر ترامب إلى الإقرار بها، وإن بصورة جزئية، فهي ما أفصح عنه لحظة إعلان نتائج الانتخابات، ويبدو أن وقع الصدمة دفعه إلى الاعتراف بأن الحرب على إيران كانت أحد أسباب هزيمة حزبه، لأنها أدت إلى ارتفاع نسبي في أسعار البنزين. وبذلك حاول وضع الحرب في مصاف أسباب أخرى، كان معظمها في الواقع من تداعيات الحرب نفسها.

لكن ما لم يقله ترامب صراحة كشفه نائبه جي دي فانس بوضوح؛ حتى إن بعض الصحف الأميركية اعتبرت تصريحات فانس بمثابة دعوة علنية إلى الاستسلام ورفع الراية البيضاء أمام إيران، بعدما وصف الحرب عليها بأنها «السبب الرئيسي» في الهزيمة التي مُني بها الجمهوريون، ودعا إلى إنهائها والتركيز على تكاليف المعيشة والتضخم، ووضع الولايات المتحدة أولاً، وإعادة النظر في العلاقات مع كيان الاحتلال.

وأضاف فانس، في تصريح نشره على منصة «إكس»: «السبب في خسارتنا هو الحرب. وإذا أردتم القول إن الحرب كانت تستحق ذلك، وإن خسارة مقاعد مجلس الشيوخ للسنوات الست المقبلة كانت ثمناً يستحق أن ندفعه، فقولوا ذلك. قولوا إن ذلك كان ثمناً يستحق الدفع».

وتكشف هذه التصريحات عمق الخلاف بين فانس وترامب، الذي يبحث، إلى جانب عدد من الجمهوريين، عن كبش فداء يتحمل مسؤولية الهزيمة. وقد أشارت وسائل إعلام أميركية إلى وزير الحرب بيت هيغسيث باعتباره أحد أبرز المرشحين لتحمل هذه المسؤولية، وسط أنباء عن احتمال تقديم استقالته، بعدما طرح النائب الجمهوري توماس ماسي ثماني مواد اتهام تمهيداً لعزله، وسط توقعات بإجراء تصويت قريب في مجلس النواب بشأن ذلك.

ومن المؤكد أن ترامب، مهما فعل، لن يستطيع التنصل من مسؤوليته المباشرة عن العدوان على إيران. فالبئر التي تُحفر لوزير حربه، عبر ترك عزله بيد الآخرين بدلاً من إقالته بقرار مباشر منه، قد يقع ترامب نفسه فيها قريباً.

فالجمهوريون الذين امتنعوا عن التصويت لوقف الحرب على إيران خوفاً من ترامب، ودفعوا اليوم ثمن موقفهم، قد ينضم بعضهم إلى الديمقراطيين لتشكيل أغلبية قادرة على وقف الحرب، وربما المضي نحو إجراءات عزل ترامب، إذا توافرت الأغلبية الدستورية المطلوبة، وهي ثلثا أعضاء مجلس الشيوخ للإدانة في محاكمة العزل. ويبدو أن بعض هؤلاء الجمهوريين بدأوا يتحررون من الخشية من معارضة ترامب، الذي بات يتلقى الصفعات حتى من أقرب المقربين إليه.

فقد ذكرت صحيفة «الإندبندنت» أن وزير الخارجية ماركو روبيو يفكر في تقديم استقالته من منصبه، رغبة منه في الابتعاد عن ترامب وإرثه الكارثي، تمهيداً للتحضير للترشح في الانتخابات الرئاسية عام 2028. وهو الدافع نفسه الذي تقف وراءه، على ما يبدو، تصريحات فانس الأخيرة، في ظل اتساع الهوة بين أركان الإدارة الأميركية بشأن تداعيات الحرب على إيران ومستقبلها.

وبعد أن قال الأميركيون كلمتهم في وجه رئيسهم عبر صناديق الاقتراع، يبدو أن الرسالة باتت واضحة: كش مات ترامب.

0% ...

آخرالاخبار

اللواء رضائي: خسرتم الحرب والانتخابات.. أشعلوا حرباً وستواجهون رداً كارثياً


كش مات ترامب


أطفال بلدة بَدُّو في القدس يبكون طفولتهم المسلوبة


اندلاع حريق بناقلة نفط مخالفة شرق مضيق هرمز


إيران ترفض الاتهامات الغربية بشأن الملاحة في مضيق هرمز


تداعيات الانتخابات الأمريكية على الكيان الاسرائيلي وإيران


عبدالسلام: النظام السعودي يواصل استهداف المدنيين في اليمن


العميد محبي: استراتيجيتنا هي إثبات القدرات عملياً لا بالشعارات


أولمبياد التكنولوجيا في طهران.. منافسة دولية تعزز الابتكار


إعلام أمريكي: فانس يقود جهودا خلف الكواليس للتوصل الى اتفاق مع إيران